إيمدغاسن… شاهد صامت على مجد النوميديين

الجزائر _ كمال فليج 

في أعالي جبال الأوراس الشامخة، وعلى بُعد نحو ثلاثين كيلومتراً شمال شرق ولاية باتنة، ينتصب ضريح إيمدغاسن شامخاً منذ أكثر من ألفي سنة، ليحكي للأجيال قصة حضارة عريقة وحكمٍ نوميدي سابق للوجود الروماني في شمال إفريقيا.

يضرب هذا المعلم الأثري بجذوره في القرن الرابع قبل الميلاد، حيث شُيّد ليكون مرقداً ملكياً للملك النوميدي إمدغاسن. وما يلفت الانتباه أنّ تصميمه يجمع بين الشكل الدائري الضخم والهيئة الهرمية، في مزيج معماري قلّ نظيره. يبلغ قطره حوالي ستين متراً، فيما يصل ارتفاعه إلى ثمانية عشر متراً، تحيط به إحدى عشرة دعامة نصف بارزة تزيده هيبة وجمالاً.

يروي الأهالي أساطير متفرقة حول الضريح، بعضها يربط بناؤه بوفاء جنود الملك له، وبعضها الآخر يربطه بعقائد جنائزية قديمة كانت تقدّس الملوك وتخلّدهم بمعالم ضخمة. لكن المؤكد تاريخياً أنّ إيمدغاسن يُعتبر أقدم ضريح ملكي في الجزائر، وأحد أقدم الشواهد على تطور فنون العمارة لدى النوميديين.

لا يُنظر إلى إيمدغاسن باعتباره قبراً حجرياً فحسب، بل كرمز لهوية تاريخية تُجسّد حضور الأمازيغ الأوائل في شمال إفريقيا. فالمعلم يكشف عن وعي عمراني متقدم وقدرة على مزج الرمزية بالهندسة، بما يجعل من الضريح مرجعاً حضارياً لا يقل قيمة عن أضرحة الملوك الموريين أو قبر الرومية بتيبازة.

رغم قيمته التاريخية، يعاني الضريح من الإهمال والتعرية الطبيعية بفعل العوامل المناخية، ما يستدعي جهوداً أكبر في الترميم والتثمين. فالزائر اليوم يجد نفسه أمام معلم أثري فريد، لكنه في حاجة إلى عناية مستمرة ليبقى صامداً في وجه الزمن، وليستعيد مكانته كوجهة سياحية وتاريخية عالمية.

يظل ضريح إيمدغاسن شاهداً صامتاً على حضارة الأجداد ومجداً لم يندثر، ورمزاً لهوية جزائرية ضاربة في أعماق التاريخ. وهو دعوة مفتوحة للباحثين والمهتمين بالتراث كي يقتربوا من أسراره، وللسلطات والمؤسسات الثقافية من أجل إدماجه في خارطة السياحة الوطنية والدولية، بما يليق بمكانته كأحد أقدم المعالم الأثرية في إفريقيا.

كمال فليج

إعلامي جزائري

Related Posts

أكواريبيا” تفتح أبوابها كأكبر وجهة مائية في السعودية

  د. منصور نظام الدين: الرياض: – من قلب جبال طويق الشامخة، حيث تمتزج الحضارات مع الثقافة والسياحة، ينسدل الستار عن أغنى وأبرز متنزه مائي على أطراف مدينة الرياض، “أكواريبيا” الذي يفتتح أبوابه اليوم ليجعل من مكانه في قلب منطقة القدية مساحة نابضة بالترفيه المتوافق مع أرقى المعايير والمنافس لأضخم المنتجعات العالمية. ويتزامن افتتاح أكواريبيا” مع موسم الصيف، حيث من المتوقع أن يكون نقطة جذب للزوار…

مسجد السادة في بندر جازان: مرثية منارة عقيلية اندثرت تحت وطأة النسيان

بقلم: أحمد علي بكري بينما تنزوي ذكريات “بندر جازان” القديم خلف واجهات التحديث، يبقى صدى التاريخ يتردد في أزقة حي “البلد” وحواف ساحل “البونية” العتيق. هناك، حيث كان الموج يداعب أقدام العابرين، قام يوماً صرحٌ ديني ومعماري عظيم عُرف بـ “مسجد السادة”. هذا المسجد لم يكن مجرد أحجار مرجانية وأعمدة خشبية، بل كان تجسيداً لسيادة علمية وروحية لأسرة الزيلعي العقيلية، واليوم، ونحن نقف على أطلاله التي…

لقد فاتك ذلك

كلمات حبيسة… ومشاعر لم يفصح عنها

كلمات حبيسة… ومشاعر لم يفصح عنها

تعليم الطائف‬⁩ يسدل الستار عن مشاركته المتألقة في مهرجان الورد بـ 8 ألاف زائز ومشاركة واسعة من طلبة المدارس

تعليم الطائف‬⁩ يسدل الستار عن مشاركته المتألقة في مهرجان الورد بـ 8 ألاف زائز ومشاركة واسعة من طلبة المدارس

الرئيس التشادي يؤدي صلاة الجمعة بجامع الجزائر

الرئيس التشادي يؤدي صلاة الجمعة بجامع الجزائر

البلوزة الوهرانية.. بين الإرث العريق والطموح العالمي

البلوزة الوهرانية.. بين الإرث العريق والطموح العالمي

سفيرة الهند تشيد بنوعية الشراكة الجزائرية-الهندية

سفيرة الهند تشيد بنوعية الشراكة الجزائرية-الهندية

ديوانية الحمدية في جزرالقمر مورد ثقافي كبير:

ديوانية الحمدية في جزرالقمر مورد ثقافي كبير:

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode