الرئيسية سياحة القصبة الجزائرية… حجر الذاكرة و روح الوطن

القصبة الجزائرية… حجر الذاكرة و روح الوطن

760
0

الجزائر _ كمال فليج 

في أعالي العاصمة، حيث يطل البحر على الجبال، ترتفع القصبة كجوهرة بيضاء متربعة على كتف الزمن. ليست مجرد حي قديم، بل قلب نابض بالهوية، وكتاب مفتوح على صفحات التاريخ. هناك، في الأزقة الضيقة التي تعانقها الجدران العتيقة، تسمع أنفاس الماضي وهمسات البطولة.

القصبة بنت المتوسط، شيدت لتكون حصناً وموطناً، لكنها سرعان ما صارت بيتاً للذاكرة، تُشبه موجة بحر تجمدت على اليابسة. بيوتها البيضاء تتكئ على بعضها، كأنها عائلة واحدة، تتقاسم الأفراح والأحزان، وتخبئ في أحشائها أسرار قرون طويلة.

كل بيت في القصبة قصيدة. أبواب خشبية عتيقة منقوشة، شبابيك صغيرة تسترق النظر إلى العالم، أفنية تزينها النوافير والفسيفساء، وأسقف تُطل على زرقة البحر. الأزقة الضيقة، التي بالكاد تمر منها قافلة من الأحلام، تنفتح فجأة على مسجد شامخ أو ساحة صغيرة يتنفس فيها الضوء.

ليست القصبة حجراً فقط، بل دم ولحم وروح مقاومة. بين أزقتها خاض المجاهدون معاركهم، وعلى أسطح بيوتها نُسجت حكايات البطولة. كل حجر فيها يشهد على دمعة أم، أو تكبيرة شهيد، أو صيحة نصر دوّت في وجه المستعمر.

رغم ما مرّت به من تهميش وتصدع، ما تزال القصبة تقف شامخة، تُذكّر أبناءها أن الجزائر لا تُختصر في زمن ولا في جغرافيا. إنها هوية متجسدة، مدينة تحفظ روح الجزائر الإسلامية، العربية، المتوسطية، والأمازيغية في آن واحد.

حين تغرب الشمس خلف البحر، وتضاء مصابيح الأزقة القديمة، تتحول القصبة إلى حلم حيّ، كأنها عروس تتهيأ لعرس أبدي. هي ليست مجرد مكان، بل زمن متجسد، ذاكرة تمشي على الأرض، وروح تُلهم الأجيال أن الماضي ليس للحنين فقط، بل للبناء أيضاً.