ا/محمد باجعفر
صدى نيوز إس
لا يمكن الاقتراب من تجربة خولة الحمداني بوصفها “نصوصًا جميلة” فحسب؛ فالجمال هنا نتيجة جانبية لا غاية. ما يلفت منذ العتبة الأولى ليس الزخرف اللغوي ولا البهرجة الأسلوبية، بل ذلك الوعي الصامت بمسؤولية الكلمة، وكأن الكتابة فعل أخلاقي قبل أن تكون فعلًا جماليًا. اسمها لا يمرّ عرضًا، لأن النص نفسه يتعامل مع اللغة بوصفها معنى قبل أن تكون صوتًا، ودلالة قبل أن تكون إيقاعًا.
تنتمي خولة الحمداني إلى سياق ثقافي واضح: سلطنة عُمان، بما تحمله من ثقل تاريخي وذاكرة روحية ومكانٍ لم يُستنزف لغويًا كما استُنزفت أمكنة عربية أخرى. غير أن نصّها لا يقع في فخ “الكتابة السياحية” عن المكان، ولا يستثمر التراث بوصفه زينة أو علامة هوية جاهزة. المكان عندها خلفية وجودية، لا لافتة تعريف. هو ما يُشبه الجذر الصامت الذي يغذّي النص دون أن يفرض شكله عليه.
في نصوصها، لا نجد استعجالًا في الوصول إلى الذروة، ولا افتعالًا للدهشة. الجملة تمشي على مهل، لكنها تمشي بثقة. وهذا التمهّل ليس ضعفًا في الطاقة السردية أو الشعرية، بل موقف واعٍ ضد الكتابة الاستهلاكية التي تبحث عن التصفيق السريع. خولة تكتب ضد العجلة، وضد الضجيج، وضد النص الذي يريد أن يُحبّ فورًا. هي تراهن على قارئ صبور، قارئ مستعد لأن يصغي لا أن يُدهش فقط.
من الناحية الأسلوبية، تعتمد لغتها على اقتصاد محسوب: لا فائض لغوي، ولا جملة زائدة عن الحاجة. حتى الصور البلاغية تأتي محكومة بالمعنى، لا منفلتة خلف الإيقاع. الاستعارة عندها لا تُستعمل للاستعراض، بل للتكثيف. ولهذا، تبدو نصوصها “هادئة” لمن يبحث عن الإثارة، لكنها في العمق نصوص كثيفة، مشدودة، تعمل ببطء داخل وعي القارئ، لا على سطح انفعاله.
ما يميّز هذه التجربة أيضًا هو علاقتها بالصدق. ليس الصدق هنا اعترافًا عاطفيًا أو بوحًا فجًّا، بل صدق الرؤية. النص لا يدّعي أكثر مما يحتمل، ولا يتقمّص أدوارًا فكرية أو وجودية أكبر من طاقته. هناك وعي واضح بحدود الذات، وحدود اللغة، وحدود التجربة. وهذا الوعي بحد ذاته شكل من أشكال النضج الأدبي النادر.
خولة الحمداني لا تكتب من موقع “المتحدّثة باسم أحد”، ولا من موقع الضحية، ولا من موقع الحكيم. تكتب من موقع الإنسان الذي يرى، ويفكّر، ويشكّ، ثم يختار الصمت أحيانًا بدل التفسير الزائد. لهذا، نجد مساحات صمت واضحة داخل النص؛ فراغات دلالية تُترك للقارئ لا لتقصير في المعنى، بل احترامًا له.
أما علاقتها بالقارئ، فهي علاقة غير تملّقية. النص لا يستدر العاطفة، ولا يطلب التعاطف، ولا يشرح نفسه أكثر مما ينبغي. القارئ مدعوّ للدخول، لا مُستدرَج. وهذا ما يجعل القراءة تجربة مشاركة لا استهلاك. من يدخل النص شريك، ومن يمرّ عليه مرورًا سريعًا لن يأخذ سوى قشرته.
جغرافيًا، قد تكون قريبة من الجوار الإماراتي، وقد تفصلها دقائق أو ساعات عن مدن كبرى كالفجيرة أو دبي أو أبوظبي، لكن هذا القرب المكاني لم يُنتج تشابهًا صوتيًا أو ذوبانًا أسلوبيًا. على العكس، يبدو أن تماسّها مع فضاءات أكثر صخبًا قد رسّخ لديها خيار العزلة الأسلوبية، لا الانخراط في السوق الأدبية الإقليمية التي تفضّل النص السهل، السريع، القابل للتداول.
نصّ خولة الحمداني يعرف أين يقف، والأهم: يعرف لماذا لا يتحرّك. لا يساوم على لغته، ولا يخفّف من حدّته الهادئة طلبًا للانتشار. وهذا النوع من الكتابة قد لا يكون الأكثر حضورًا في المشهد الإعلامي، لكنه الأكثر قابلية للبقاء. لأنه لا يُكتب للحظة، بل لزمن أطول، زمن لا يُقاس بعدد المشاركات، بل بعدد القراءات الصامتة التي تترك أثرًا داخليًا.
في المحصّلة، نحن أمام تجربة أدبية لا تبحث عن شرعية خارج النص، ولا تستعير أهميتها من الاسم أو المكان أو الانتماء. أدب خولة الحمداني أدب يعرف قيمته دون أن يعلنها، ويمارس قوته دون أن يرفع صوته. وهذا بالضبط ما يجعلها تجربة جديرة بالقراءة الجادّة، لا الإعجاب العابر.






