الرئيسية الأدب والشعر الإبحار من العمق

الإبحار من العمق

13
0

 

إلهام عقلا عيد البراهيم

الجوف

الحقيقة التي لم يُسمح لها أن تعيش

من إنكار الله… إلى البحث عنه بعد الموت

ليست زافيرا رواية عن الجن بقدر ما هي رواية عن السؤال.

السؤال الذي يخشاه الجميع، سواء كانوا بشرًا أم جانًا:

أين الله؟ ولماذا يبدو بعيدًا حين نحتاجه أكثر؟

الجزء الأول: زافيرا… الجان الذي لم يجد الله

في الجزء الأول من الرواية، نتعرّف على زافيرا، جانًا خرج عن المألوف، لا بالتمرّد السطحي، بل بالشك العميق. لم يكن زافيرا ملحدًا لأنه أحب الكفر، بل لأنه لم يستطع أن يرى الله في العالم من حوله. رأى الظلم يُمارَس باسم الإيمان، ورأى القسوة تُبرَّر بالنصوص، ورأى الخوف يُقدَّم على أنه تقوى.

بحث زافيرا عن الله كما يبحث الغريق عن الهواء.

قرأ، سأل، واجه، واصطدم بجدران صلبة من المسلّمات الجاهزة. كل إجابة قُدِّمت له كانت أقل صدقًا من السؤال نفسه. كل طريق قاده إلى مزيد من التيه.

لم ينكر زافيرا وجود الله بقدر ما أنكر الصورة التي فُرضت عليه.

إله بلا رحمة، بلا عدل، بلا معنى… إله لا يشبه الفطرة التي خُلق بها.

ومع اقترابه من الحقيقة، بدأ الخطر.

فالأسئلة التي تُحرّك العقول تُخيف أصحاب السلطة، سواء كانت سلطة دينية أو فكرية. لم يُقتل زافيرا لأنه جان، ولا لأنه ملحد، بل لأنه سأل بصوت عالٍ. لأن بحثه لم يكن صامتًا.

ينتهي الجزء الأول بموت زافيرا.

موت غامض، صادم، وغير مريح.

نهاية لا تُغلق الرواية، بل تفتح جرحًا.

الجزء الثاني: ما بعد زافيرا… حين يصبح القتل سؤالًا

في الجزء الثاني، لا يعود زافيرا حاضرًا بالجسد، لكنه يهيمن على الرواية كظل ثقيل. البطل الجديد لا يبحث عن زافيرا كشخص، بل عن سبب موته. عن الحقيقة التي جعلت وجوده خطرًا.

من قتل زافيرا؟

هل هو فرد؟ جماعة؟ منظومة؟

أم أن الحقيقة نفسها قاتلة؟

رحلة البطل تبدأ كتحقيق، لكنها تتحول تدريجيًا إلى رحلة وجودية. فكل إجابة تقوده إلى سؤال أعمق، وكل دليل يكشف أن موت زافيرا لم يكن حادثًا، بل نتيجة حتمية لمسار البحث.

ومع الوقت، يدرك البطل أن زافيرا لم يكن يبحث عن الإلحاد، بل عن الله الحقيقي. الله الذي لا يُختصر في شعارات، ولا يُحتكر باسم فئة، ولا يُستخدم كسلاح.

البحث عن قاتل زافيرا يصبح بحثًا عن الله الذي فشل زافيرا في الوصول إليه حيًا.

وهنا تنقلب الأدوار:

من كان يظن نفسه مؤمنًا يبدأ بالشك،

ومن كان يطارد الحقيقة يكتشف أن الإيمان ليس يقينًا جاهزًا، بل رحلة مؤلمة.

الجزء الثاني لا يقدم إجابات نهائية، بل يقدّم صدقًا.

لا يبرّئ أحدًا، ولا يدين أحدًا بسهولة.

بل يضع القارئ أمام مرآة قاسية:

هل نحن نبحث عن الله… أم عن نسخة مريحة منه؟

زافيرا كعمل فكري وأدبي

زافيرا ليست رواية دينية، ولا رواية إلحاد، بل رواية بحث.

بحث عن معنى الإيمان، عن عدل الله، عن المسافة بين النص والروح.

هي رواية تزعج القارئ لأنها لا تتركه في منطقة آمنة.

وتؤلم لأنه يجد نفسه، في لحظة ما، أقرب إلى زافيرا مما يحب أن يعترف.

في النهاية، زافيرا لا تقول إن الله غائب،

بل تقول إن الطريق إليه أصعب مما نتصور،

وأن السؤال الصادق قد يكون أحيانًا أقرب إلى الله من ألف إجابة مزيّفة

للتواصل/

Omsarh30e@gmail.com