الرئيسية مقالات لايوجد من الحديث حديث

لايوجد من الحديث حديث

48
0

 

ا/محمد باجعفر

جازان /صدى نيوز إس

لا يوجد من الحديث حديث.

هذه ليست جملة عابرة، بل خلاصة حالة يصل إليها الكلام حين يفقد ضرورته.

عندما يُقال كل ما يجب قوله، ويُستهلَك المعنى حتى العظم، لا يعود للكلمات حقّ الاستمرار؛ فالإطالة هنا ليست عمقًا، بل تشويهٌ لما كان صادقًا في بدايته.

حين يُستنفد المعنى، يتحوّل التكرار إلى ضجيجٍ أجوف،

صوتٌ عالٍ بلا أثر،

حركة شفاه لا تُنتج فهمًا،

وحوار يدور حول نفسه كعجلةٍ فقدت اتجاهها.

الكلمات التي لا تضيف، لا تُنقذ الموقف ولا تُصلحه، بل تُثقله، وتجعله أكثر هشاشة مما كان.

وما لا يُضاف، يُستغنى عنه.

ليس قسوةً ولا برودًا، بل احترامٌ للفكرة نفسها.

الفكرة التي تُقال مرة بصدق، لا تحتاج أن تُعاد عشر مرات لتُثبت وجودها.

إعادتها ليست تأكيدًا، بل شكٌّ مستتر في قوتها.

هنا يصبح الصمت اختيارًا واعيًا، لا فراغًا.

الصمت ليس غياب الكلام، بل حضور المعنى في أنقى صوره.

هو المساحة التي يُترك فيها للأثر أن يعمل، وللفهم أن ينضج دون إكراه.

في الصمت تتعرّى النوايا،

وتسقط الأقنعة،

ويُختبر ثقل الكلام السابق: هل كان حقيقيًا أم مجرد ضوضاء مؤقتة؟

بعض الحوارات تموت لا لأن أصحابها أخطأوا،

بل لأنهم قالوا كل شيء،

ولم يعودوا يملكون ما يضيفونه إلا التكرار.

وعند هذه النقطة، يصبح الاستمرار إهانة للمعنى، لا وفاءً له.

الصمت هنا أصدق من أي محادثة طويلة،

لأنه لا يجمّل الفراغ،

ولا يملأ العجز بالكلمات،

ولا يتظاهر بأن هناك ما يُقال بينما الحقيقة أن كل شيء قد قيل.

الصمت في هذه الحالة ليس نهاية،

بل خاتمة لائقة لكلامٍ أدّى وظيفته كاملة،

ثم انسحب بكرامة.