الرئيسية سياحة اكتشاف نادر على شواطئ جازان: محارة متحجرة من عصر الميوسين تروي تاريخ...

اكتشاف نادر على شواطئ جازان: محارة متحجرة من عصر الميوسين تروي تاريخ الأرض

63
0

 

بقلم: أحمد علي بكري

في مشهد يجمع بين المصادفة العلمية ودهشة الاكتشاف، شهدت شواطئ منطقة جازان حدثًا جيولوجيًا لافتًا يعيد فتح نافذة واسعة على تاريخ الأرض السحيق. فقد عثر الدكتور فيصل بن علي الطميحي، المتخصص في الآثار والمهتم بالعلوم المرتبطة بتخصصه؛ الجيولوجيا ونحوها. ، على تحفة متحجرة نادرة أثناء تجواله عصر أمس على شاطئ البحر بالقرب من الواجهة البحرية في قوز الجعافرة، شمال مدينة جازان، وعلى مقربة من المدينة الاقتصادية.

القطعة المكتشفة ليست مجرد بقايا بحرية عادية، بل محارة كاملة متحجرة، اندمجت اندماجًا تامًا في حجر رسوبي صلب، تعود إلى عصر الميوسين المتأخر، أحد أهم العصور الجيولوجية التي شهدت تحولات مناخية وبيئية كبرى، ويُقدّر عمرها بما يتراوح بين عشرة ملايين إلى ستة ملايين سنة.

تحفة متحجرة بحفظ استثنائي

ما يميز هذا الاكتشاف على نحو خاص، أن فلقة المحارة ليست ملتصقة بالحجر الرسوبي بشكل سطحي، ولا يمكن فصلها بسهولة كما هو الحال في كثير من الأحافير الساحلية، بل هي ملتحمة تمامًا بالصخر، وكأنها نُحتت داخله منذ الأزل. هذا الاندماج الكامل يدل على ظروف تحجر نادرة، مرت بمراحل طويلة من الترسيب، والضغط، والتغير الكيميائي، ما جعل من هذه المحارة جزءًا لا يتجزأ من نسيج الصخر ذاته.

هذا النوع من التحجر يمنح القطعة قيمة علمية مضاعفة، لأنه يحفظ الشكل الأصلي للكائن الرخوي بدقة عالية، ويجعلها شاهدًا موثوقًا على البيئة البحرية التي كانت سائدة في تلك الحقبة.

لحظة الاكتشاف: حين يتكلم الحجر

عن لحظة العثور على هذه التحفة، يصف الدكتور فيصل الطميحي المشهد بقوله:

“كان الأمر أشبه بقراءة كتاب مفتوح على صفحة من تاريخ الأرض. بين الصخور المتناثرة، بدت هذه القطعة مختلفة، متكاملة، وكأنها ترفض أن تمر دون أن تُقرأ.”

ويضيف أنه يعتزم إخضاع الأحفورة لعملية تنظيف دقيقة ومحسوبة، دون المساس ببنيتها الأصلية، بهدف الحفاظ عليها كقطعة علمية وجمالية في آنٍ واحد، وقد تتحول لاحقًا إلى ثقالة أوراق ثمينة، تجمع بين الفن الطبيعي وقيمة الزمن، لتكون شاهدة صامتة على ملايين السنين أمام أعين الحاضر.

ويمثل الدكتور الطميحي نموذجًا للباحثين الوطنيين الذين يجمعون بين المعرفة الأكاديمية، والخبرة الميدانية، والشغف الشخصي بتوثيق التراث الطبيعي للمملكة، بعيدًا عن الأضواء، وقريبًا من الأرض ذاتها.

جازان: أرض التنوع الجيولوجي

تقع منطقة جازان في الجنوب الغربي من المملكة العربية السعودية، عند نقطة التقاء نادرة بين جبال السروات المرتفعة شرقًا، وسهل تهامة الساحلي غربًا، وعلى امتداد ساحل طويل يطل على البحر الأحمر. هذا الموقع الجغرافي الفريد جعل من جازان منطقة غنية بالتكوينات الصخرية والترسيبات البحرية القديمة.

وتُعد المناطق الساحلية، ومنها قوز الجعافرة، بيئة مثالية لظهور الأحافير، حيث تتعرض الطبقات الرسوبية القديمة لعمليات تعرية مستمرة بفعل الأمواج، والرياح، وتغير مستوى سطح البحر، مما يكشف عن كنوز جيولوجية ظلت مدفونة لملايين السنين.

عصر الميوسين: حين تغيّر وجه الأرض

لفهم الأهمية الحقيقية لهذا الاكتشاف، لا بد من العودة إلى عصر الميوسين، الذي امتد من حوالي 23 مليون سنة إلى 5.3 مليون سنة مضت، ويُعد أول عصور الفترة النيوجينية ضمن حقبة الحياة الحديثة.

مناخ يتحول وكوكب يتغير

شهد الميوسين تحولات مناخية حادة؛ ففي بداياته كان المناخ أكثر دفئًا ورطوبة، ثم بدأ العالم يتجه تدريجيًا نحو البرودة والجفاف. وخلال ما يُعرف بـالانتقال المناخي في منتصف الميوسين، انخفضت درجات الحرارة العالمية بشكل ملحوظ، وتقلصت الغابات، وبدأت المراعي العشبية بالانتشار.

حركة القارات وإغلاق بحار

في هذا العصر، اصطدمت الصفيحة العربية بالأوراسية، ما أدى إلى انغلاق محيط تيثيس القديم، وتغير أنماط البحار والمحيطات في المنطقة. وسمحت هذه التحولات بظهور جسور برية ساهمت في هجرة الكائنات الحية بين القارات.

أزمة ملوحة غيرت المتوسط

وفي أواخر الميوسين، وقعت أزمة الملوحة المسينية، حين انقطع الاتصال بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، مما أدى إلى تبخر معظم مياهه، وأثر بشكل غير مباشر على النظم البحرية في البحر الأحمر والمناطق الساحلية المجاورة، ومنها سواحل جنوب غرب الجزيرة العربية.

قيمة علمية تتجاوز حجمها

تكمن أهمية هذه المحارة المتحجرة في عدة أبعاد:

سجل زمني دقيق يوثق البيئة البحرية التي كانت سائدة في جازان خلال الميوسين المتأخر.

دليل جيولوجي على طبيعة الترسيب والتحجر في السهل الساحلي للمنطقة.

شاهد على تاريخ البحر الأحمر قبل شكله الحديث.

تنبيه علمي إلى أن منطقة جازان ما زالت تخفي ثروة أحفورية كبيرة لم تُدرس بعد بالشكل الكافي.