ا/محمدباجعفر
ليس كل ما يرفع الإنسان مالًا أو منصبًا ، فكم من ذي مال سقط في أعين الناس ، وكم من صاحب جاه عاش ذليلًا في قلوبهم.. ما يجعل الإنسان عزيزًا حقًا هو خُلقٌ إذا حضر زيّن صاحبه ، وإذا غاب ترك فراغًا لا يملؤه شيء..
إنها سرّ الهيبة ، وعنوان النبل ، وميزان الرجولة الحقّة : المروءة..
المروءة هي تلك البوصلة الخفية التي تضبط سلوك المرء حين يختلط الحق بالباطل ، وحين تتعارض المصلحة الشخصية مع الكرامة ، وحين يكون بإمكانه أن يأخذ ولكنه يختار أن يعطي..
المروءة تعني أن يكون الإنسان راقيًا في ظاهره وباطنه ، فلا ينحدر إلى ما يجرح هيبته أو يفسد مروءته..
هي أن تحرص على نقاء قلبك وصفاء نيتك كما تحرص على نظافة ثوبك ، فلا تُرى إلا كريمًا ، ولا يُسمع منك إلا طيبًا ، ولا يُنتظر منك إلا نبلًا..
هي أن تكون في سلوكك اليومي صورةً لما تحب أن يراه الناس فيك لو كشف الغطاء عن نواياك..
المروءة أن تستحي من نفسك قبل أن تستحي من الناس ، وأن تجعل من مبادئك سياجًا لا يخترقه طمع ولا ينقضه خوف..
أن تحفظ لسانك عن الفحش ، وعينك عن الحرام ، ويدك عن الأذى ، وقلبك عن الغل.. هي ألا تُسقِط نفسك في مواطن الدناءة ولو خلت بك الطرقات ، وألا تبيع كرامتك في سوق رخيص ولو أغراك الثمن..
وقد قالوا : “المروءة كمال الرجولة ، والرجولة كمال الإنسانية”..
ولذلك ، فإن كل خُلق نبيل في الإسلام متصل بها : فالصدق مروءة ، والكرم مروءة ، والوفاء مروءة ، والنخوة مروءة..
حتى في أبسط الأمور اليومية يظهر أثرها في جلستك ، في طعامك ، في لباسك ، في تعاملك مع من هم دونك قبل من هم فوقك..
المروءة تجعل المرء حاضرًا في أعين الناس وإن غاب ، مذكورًا بالخير وإن توارى..
ومن عاش بها عاش عزيزًا ولو قلّ ماله ، ومن فقدها عاش ذليلًا ولو ملك الدنيا..
إنها مدرسة تربي الإنسان ليكون أرقى من مجرد كائن يسعى وراء شهواته ، ليكون إنسانًا كامل المعنى ، طيب الأثر ، حسن الذكر..






