حين يعلّمك السقف درس الحياة

في صباحٍ كنت أظنه من تلك الصباحات التي تُفتح لها الأبواب وتبتسم لها السماء، خطّطتُ ليومٍ أسطوري. جدولٌ مُحكم، وحماسٌ أعلى من رصيد أول الشهر، وإحساسٌ بأن العالم سينصاع لخططي كما تنصاع الماعز حين أطعمها وألعب معها وأنا أعيش دور *هايدي* بلا خجل.

قفزة صغيرة… لحظة ثقة زائدة… ثم قال الوتر: **قف**.

لم تكن قفزة نحو النجاح، بل كانت قفزة نحو **الجبس**. في لحظة واحدة، التوى الوتر، وسمعتُ صوت تحطّم خططي قبل أن أسمع صوت ألمي. اليوم المثالي انسحب بلا اعتذار، والقائمة المزدحمة تبخّرت كما يتبخر الحلم عند أول وخزة ألم.

وجدتُ نفسي ممدّدة، أحدّق في السقف، والإبر تدخل وتخرج، وأنا أعصر عيني كأنني أضغط زر “إلغاء الألم”. في تلك اللحظة، تشعر أنك عاجز رسميًا؛ حتى أفكارك تأخذ إجازة مرضية. الأسبوع الحافل؟ ذهب. الإنجاز؟ “نعتذر لعدم الاتصال بالإنترنت”.

من مرّ بمرحلة مرضية أُجبر فيها على البقاء، يعرف هذا الشعور جيدًا.
السقف يصبح رفيقك الوحيد، شاهداً على سقوط “الأنا” الإدارية أمام عظمة القدر.

هناك لحظة لا يعرفها إلا من ذاق الألم؛ حين تقترب الممرضة بالإبرة، وفي اللحظة التي تخترق فيها الجلد، تعصر عينك حتى ترى أطياف الضوء. أنت لا تمسك عينك فقط… أنت تمسك **الألم** ذاته، تحاول أن تمنعه من كسر كبريائك.

حين يرميك القدر فوق سرير، يضيق العالم فجأة. تختفي الطموحات الكبرى، وتتلاشى الجداول المزدحمة، وتجد نفسك في مواجهة سقفٍ صامت. سقفٌ يهمس لك: *تواضع… فأنت لست سوى قفزة واحدة متعثّرة عن السقوط.*

في سكون المرض، تكتشف أننا نهرب من أنفسنا بالضجيج. السقف يجبرك على مواجهة ذاتك بلا أعذار. النجاة ليست في الشفاء فقط، بل في أن تتعلم كيف تجلس مع نفسك دون أن تملّ.

كنت أقول لنفسي وأنا أحدّق في السقف، وأرى جدول أعمالي المزدحم لأسبوعين قادمين:
العالم لا يتوقف عليك.
وأنت ممدّدة… العمل مستمر.
فارتاحي قليلاً؛ لستِ مطالبة بإنقاذ الكون اليوم.

الخطة شيء… والحياة شيء آخر. جدولك كان مرتباً؟ ممتاز. الحياة؟ تحبّ التخبيص. فكن مرناً. حين يتقلّص عالمك إلى مساحة مترين، تكتشف أن كل الخطط لا تساوي شيئاً أمام الصحة. العافية هي المنصب الوحيد الذي لا يقبل المنافسة.

في انقطاع الحركة حكمة، وفي الألم كفّارة، وفي السكون خيرٌ لا نراه الآن.
ما قدّره الله لك خير، وإن بدا لك شراً؛ فالمحن تحمل في طياتها المنح، ومن منعه الله فقد أعطاه.

وفي الختام…
أستودع الله قلوبكم التي مرّت من هنا.
اللهم امنحهم من الراحة أضعاف ما أتمنى لنفسي، ولا تجعل للضيق طريقاً إلى صدورهم، وألبسهم ثوب العافية الذي لا يبلى.
طِبتم… وطابت أيامكم بكل حب.

كمال فليج

إعلامي جزائري

Related Posts

التفاصيل الصغيرة ليست صغيرة

      بقلم/مرشده الأسود   في شوارع قريتي بعد العصر وأمام المحلات يشدني منظر العمال وهم يمسكون أكواب الشاي ويتبادلون الاحاديث ،رغم حرارة الجو هم مستمتعين باللحظة الجميلة.   أطفال على الدراجات يتسابقون ويشترون المثلجات واصواتهم تعطر الجو بالبهجة.   عصرية تجمع الأُسرة على مكسرات وشاي او جلسة مسائية بها قهوة وتمر تشحن قلوبنا سعادةً وتمنحنا ذكريات ومشاعر تبقى للأبد.   فطور جماعي لموظفين يخالطهُ…

“الميثان إلى دواء”  

  مكة المكرمة بقلم الدكتور/ مازن إسماعيل محمد : يمثل Methane Valorization أحد أبرز آفاق الكيمياء الخضراء اليوم، حيث يتحول غاز الميثان، المعروف بكونه أحد أقوى الغازات الدفيئة، إلى مصدر ثمين لإنتاج مواد أولية تدخل مباشرة في صناعة الأدوية. هذا التحول يعكس كيف يمكن للعلم أن يحوّل عبئًا بيئيًا إلى فرصة صناعية، ويضع الأساس لثورة في الابتكار الكيميائي. لقد حققت الأبحاث الحديثة تقدمًا ملحوظًا في مجال…

لقد فاتك ذلك

التفاصيل الصغيرة ليست صغيرة

  • By
  • أبريل 23, 2026
  • 21 views
التفاصيل الصغيرة ليست صغيرة

“الميثان إلى دواء”  

  • By
  • أبريل 23, 2026
  • 53 views
“الميثان إلى دواء”  

قصيدة للسيدة نوال مسلم بنت مكة

  • By
  • أبريل 23, 2026
  • 27 views
قصيدة للسيدة نوال مسلم بنت مكة

درس من الحياة،،

  • By
  • أبريل 23, 2026
  • 77 views
درس من الحياة،،

حين يتحول الراعي إلى جزء من القطيع تسقط البوصلة الإقصاء المناطقي للمدير.. عندما يكون المشرف القيادي شريكًا فيه

  • By
  • أبريل 23, 2026
  • 34 views
حين يتحول الراعي إلى جزء من القطيع تسقط البوصلة الإقصاء المناطقي للمدير.. عندما يكون المشرف القيادي شريكًا فيه

مبادرة «قرب الآباء مع الأبناء» ترسم البسمة على وجوه نزلاء دار المسنين

  • By
  • أبريل 23, 2026
  • 43 views
مبادرة «قرب الآباء مع الأبناء» ترسم البسمة على وجوه نزلاء دار المسنين

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode