عبدالله شراحيلي
في زحمة الحياة وتعدد العلاقات، يمرّ الإنسان بتجارب كثيرة تكشف له حقيقة من حوله، دون حاجة إلى كلمات أو تبريرات.
فهناك أشياء لا تُقاس بما يُقال، بل بما يظهر وقت الحاجة؛ فالعقل يُقاس بالنقاش، والمحبة تُقاس بالمواقف.
فالعقل لا يتجلى في كثرة الحديث، ولا في قوة الجدل، بل في هدوء الطرح واحترام الرأي الآخر.
العاقل هو من يناقش دون أن يجرح، ويختلف دون أن يقلل، ويستمع كما يتكلم.
هو من يدرك أن الحوار ليس ساحة انتصار، بل مساحة فهم وتبادل ووعي.
كم من نقاش بسيط كشف نضج عقل،
وكم من حوار قصير فضح ضيق فكر، مهما بدا صاحبه مثقفًا أو لبقًا.
أما المحبة، فهي لا تُقاس بجمال العبارات ولا بكثرة الوعود، بل تُعرف حين تضيق الظروف.
تظهر في الوقوف الصادق، وفي السؤال الصامت، وفي الحضور الذي لا ينتظر مقابلًا.
فالمحب حقًا لا يغيب عند التعب،
ولا يتراجع عند أول خلاف،
ولا يتغير حين تتغير الأحوال.
المحبة الصادقة موقف،
والموقف لا يُجامل ولا يتلون.
وفي المواقف تتضح الحقائق، وتنكشف النوايا، ويُعرف من يبقى ومن يرحل.
فليس كل من اقترب كان محبًا،
ولا كل من ابتسم كان صادقًا.
قد يتقن البعض فن الكلام،
لكنهم يعجزون عن فعل بسيط حين نحتاجهم.
وقد يصمت آخرون طويلًا،
لكن مواقفهم تسبق حديثهم وتثبت صدقهم.
النفوس الناضجة تدرك أن الاختلاف لا يفسد الود،
وأن الحوار لا يعني الخصومة،
وأن الاحترام هو الأساس الذي تُبنى عليه العلاقات.
أما القلوب الكبيرة،
فإنها تحفظ الود حتى في لحظات الخلاف،
وتختار الحكمة بدل القسوة،
والاحتواء بدل العتاب القاسي.
في النهاية،
لا تبحث عن العقول في ضجيج الكلام،
بل في عمق الفهم.
ولا تبحث عن المحبة في جمال الوعد،
بل في صدق الموقف.
ففي زمن كثرت فيه الأقوال،
تبقى المواقف وحدها صادقة،
ويبقى الحوار الهادئ علامة على عقل راقٍ وقلب نقي.






