الرئيسية مقالات من القياس إلى التأثير: إدارة الأداء المؤسسي كرافعة استراتيجية

من القياس إلى التأثير: إدارة الأداء المؤسسي كرافعة استراتيجية

15
0

 

د. ميسان علي بُخاري/ مستشار إداري و تطويري، جدة

في عالم تتسارع فيه التغيرات وتزداد فيه المنافسة، لم تعُد إدارة الأداء المؤسسي مجرد عملية تشغيلية لقياس النتائج، بل أصبحت أداة استراتيجية محورية لتمكين المؤسسات من تحقيق رؤيتها، و تعزيز استدامتها، و رفع قدرتها على التكيف مع المتغيرات. ولم يعد كافيًا أن نقيس الأداء فقط. القياس وحده لا يصنع الفارق، بل ما يصنعه القياس هو التحول الذي يولده في سلوك المنظمة وقراراتها. لذلك فإن تبني منظور استراتيجي في إدارة الأداء يحوّل الأرقام و المؤشرات إلى قرارات مؤثرة، و يجعل الأداء انعكاساً حقيقياً للاتجاه الاستراتيجي للمؤسسة.

النهج التقليدي في إدارة الأداء يركز على:

• جمع الأرقام

• إعداد التقارير

• تقييم الأداء بشكل روتيني

بينما النهج الاستراتيجي يركز على:

• تحويل البيانات إلى قرارات

• استباق المخاطر

• تحسين العمليات بشكل مستمر

• تمكين الفِرَق من تحقيق النتائج

هُنا يتحول الأداء من نشاط إداري إلى أداة قيادة.

لماذا نحتاج إلى هذا التحول ؟

لأن المؤسسات اليوم تواجه ثلاثة تحديات رئيسية:

1. تسارع التغير : ما كان مناسبًا أمس قد يصبح غير فعال اليوم.

2. ضغط النتائج : لا مجال للتأخير أو للتبرير، فالنتائج هي معيار البقاء.

3. فجوة التنفيذ : كثير من الاستراتيجيات تبدو ممتازة على الورق، لكنها لا تتحول إلى أداء واقعي.

هنا تأتي أهمية إدارة الأداء بمنظور استراتيجي كرافعة استراتيجية، لأنها تعمل على ربط الموارد والجهود بالنتائج المطلوبة، وتساعد القادة على توجيه المنظمة نحو الأولويات الحقيقية التي ترفع مستوى التنفيذ و تحوّل الرؤية إلى واقع ملموس.

إدارة الأداء كرافعة استراتيجية: كيف؟

تعمل إدارة الأداء كرافعة عندما :

• تُترجم الرؤية إلى أهداف واضحة وقابلة للتنفيذ

• تُحدد الأولويات وتوجه الموارد نحوها

• تُسرّع اتخاذ القرار وتُحسن مستوى الاستجابة

• تخلق ثقافة مسؤولة تعتمد على النتائج وليس على الوعود بهذا تتحول إدارة الأداء من “مهمة” إلى قوة دفع تدفع المنظمة نحو التميز.

مؤشرات الأداء : ما الذي يجب أن نقيسه ؟

القيادة الناجحة لا تقيس كل شيء ، بل تقيس ما يصنع الأثر.

لذلك، يجب أن تكون المؤشرات :

• مرتبطة مباشرة بالأهداف الاستراتيجية و تترجمها

• متوازنة بين الأبعاد المختلفة

• قابلة للقياس والفهم

• تحفّز السلوك الصحيح

ومن أفضل أطُر القياس المتوازنة هي “بطاقة الأداء المتوازن” التي تضمن قياس الأداء عبر أربعة أبعاد رئيسية:

• المالي: كفاءة الموارد والنتائج المالية

• العُملاء: جودة التجربة ورضا المستفيدين

• العمليات: فعالية وسلاسة العمليات الداخلية

• التعلم والنمو: تطوير القدرات والابتكار

و تماشياً مع التطور التقني و المتغيرات المتسارعة لابُد من جعل هذه البطاقة أكثر مرونة لتشمل أبعاد أخرى تتطلبها هذه المتغيرات، فيمكن إضافة:

• التحول الرقمي

• البُعد الاجتماعي

• الاستدامة البيئية ، أو أي بعد أو منظور نرى أنه مهم للمؤسسة و يعبر عن أدائها.

دور القيادة التنفيذية:

القادة التنفيذيون ليسوا مجرد متابعين للأرقام، بل هم موجّهون للأداء.

دورهم يتمثل في:

• طرح الأسئلة الصحيحة

• ربط الأداء بالحوكمة والتحفيز

• خلق بيئة تُمكّن الفِرَق من النجاح

• تحويل الأداء إلى ثقافة مؤسسية

فالتنفيذ الفعلي يحدث عندما تتحول القيادة من “مراقب” إلى “مُحرك”. فالبيانات ليست هدفًا بحد ذاتها ، بل هي وسيلة لتمكين القرار.

عندما نمتلك مؤشرات واضحة وتحليلاً صحيحًا، نصبح قادرين على:

• اكتشاف الفجوات مبكرًا

• اتخاذ إجراءات تصحيحية سريعة

• تحسين الأداء بشكل مستمر

• بناء تعلم مؤسسي قوي

ختاماً:

المؤسسات التي تحوّل إدارة الأداء من قياس إلى تأثير، هي التي تصنع الفارق.

هي التي تحقق الاستدامة ، وتتفوق في التنفيذ ، وتبني مستقبلًا أكثر قوة ووضوحًا.

إدارة الأداء ليست مجرد نظام… إنها رافعة استراتيجية ترفع المنظمة نحو النجاح ، التميُز ، و الاستدامة.