✍️ بقلم الكاتبة: وجنات صالح ولي
لماذا افترقتما؟ سؤالٌ بسيط، لكنه يحمل خلفه وجع مئة حكاية، وقلوبًا لم تجرؤ على البوح، ومشاعرَ كانت تنتظر كلمة واحدة لتنجو من الصمت. هل كان الفراق لأن الحب انتهى فعلًا؟ أم لأن كلًّا منكما انتظر الآخر أن يسأل، أن يقترب أولًا، أن يُرمّم ما انكسر، وأن يقول ببساطة: اشتقتُ إليك؟ لكن الكبرياء كان أعلى صوتًا من الحنين. مرّت الأيام، وتراكم الغياب، وتحوّل الاشتياق إلى صمتٍ عنيدٍ متبادل. ظنّ كلّ طرف أن الآخر بخير، بينما كان كلاهما يتألّم بصمتٍ لا يُسمع. كم خسرنا قلوبًا نقية فقط لأننا ظننّا أن التنازل ضعف، ونسينا أن القلوب لا تُقاس بقدرتها على الصمت، بل بقدرتها على البقاء رغم الوجع.
الحب الحقيقي لا ينتهي بانتهاء الحديث، ولا يخبو بمرور الأيام. هو ذلك الإحساس الذي يُنبت الحياة حتى في أكثر اللحظات قسوة، ويمنحك الطمأنينة في حضور من تحب، لا مجرد الاعتياد عليه. أمّا التعود، فهو حضورٌ بلا روح، يشبه ساعةً تدقّ في موعدها كل يوم، لكنها لم تعد تُذكّرك بالوقت بل بالفراغ. هو أن تبقى مع شخص لأنك لا تتخيل يومك بدونه، لا لأن قلبك ما زال ينبض له. إنه حبّ بلا لهفة، بلا دهشة، وبلا نبضٍ حقيقي. وفي كثير من الأحيان، نظن أننا نحب، بينما نحن فقط اعتدنا الوجود، ونخاف الفقد لا لأننا نحب، بل لأننا لا نعرف كيف نبدأ من جديد.
ليس كل تنازلٍ ضعفًا؛ فأحيانًا تكون كلمة: أنا آسف، أو اشتقتُ لك، أكثر شجاعةً من ألف صمتٍ متكبّر. التنازل الجميل هو ذلك الذي يُنقذ العلاقة من حافة النهاية، ويُعيد إليها الحياة بعد أن أوشكت على الانطفاء. حين تختار أن تُطفئ الخلاف بابتسامتك، وأن تُطفئ الغضب بحضنٍ صادق، وحين تترك مساحة للقلب قبل أن يتكلم العقل، فأنت لا تتنازل عن كرامتك، بل تُكرّم مشاعرك. التنازل الجميل يُشعل الحب من جديد، كما يُعيد المطر الحياة إلى زهر الأرض اليابسة. هو إيمانٌ بأن العلاقة تستحق إنقاذها، وأن قليلًا من اللين قد يرمّم ما كادت القسوة تهدمه.
في كل علاقة، سؤالٌ واحد قد يُنقذها: هل ما زلت بخير؟ لكننا نؤجّل طرحه، فنخسر الوقت، ونخسر بعضنا، ونخسر أجمل ما فينا حين نُغَلِّب الصمت على الودّ، والكبرياء على الحب. لا تنتظر أن يسأل عنك من تحب، اسأل أنت؛ فربما كان قلبه ينتظر سؤالًا واحدًا ليعود للحياة. فبعض العلاقات تموت، لا لأن الحب انتهى، بل لأن السؤال تأخّر.






