لماذا نجعل من الحنين لذكريات الماضي ما نظلم به نعمة الحاضر؟

 

اللواء متقاعد محمد فريح الحارثي

يعاني العقل الجمعي في مجمعاتنا من حالة فكرية يمكن تسميتها “التقديس الرومانتيكي للماضي”. وهي حالة ذهنية تجعل الفرد يرى الأيام الخوالي عبر عدسة وردية تُصفّي الأوجاع وتُبقي الأمجاد، بينما يرى الحاضر عبر عدسة ضبابية تُضخم العثرات وتتجاهل المنجزات. إن الحنين فطرة إنسانية دافئة، لكن حين يتحول الى سلاحاً يُشهَر في وجه الجيل الصاعد لتسفيه وتسطيح واقعه، فإنه يتحول من “وفاء للذكريات” إلى “جحود للواقع”.

مغالطة المقارنة: الكمال لله وحده

ليس من العدل، ولا من مقتضيات القيم، أن نغمض أعيننا عما نعيش فيه من نعمٍ لا تُعد ولا تُحصى، لأجل استحضار ذكريات الماضي. فإذا كانت هناك مقارنة عادلة، فنحن ولله الحمد نعيش الأفضل والأجمل؛ فلا الماضي كان الأكمل ولا الحاضر سيكون الأكمل، وإنما الكمال لله وحده.

لماذا نرسخ الصورة الضبابية في نظر أجيال الحاضر عن حاضرهم؟ ولماذا نرسخ فقدان الثقة فيهم بقولنا: “جيل لا فائدة فيه، جيل فاشل أين أنتم من جيلنا الذي كُنا فيه وكُنا؟”.

المفارقة المذهلة: سيكولوجية الردود والتعليقات

إن المتأمل في ظاهرة التعليقات والردود على المواد المرئية،في وسائل التواصل الاجتماعي من مسلسلات وبرامج تلفزيونية لحقبة ما قبل خمسين عاماً، سيجد حالة من الاستياء والإحباط الجماعي. حيث يُستخدم العمل الدرامي كـ (مطرقة) لضرب ثقة الجيل الحالي بأنفسهم، بوصفهم “جيل الضياع والفشل”.

والمفارقة المذهلة هنا، هي أن تلك الأعمال أُنتجت في حينها لنتقد ذات الجيل الذي يتباكى اليوم على ماضيه! إنها (عقدة النجاة) التي تجعل كل جيل يعتقد أنه الأفضل، محولاً ذكرياته إلى قيدٍ يمنعه من رؤية رقيّ وحضارة وعصرية وإنجازات أبنائه اليوم.

المنهج البديل: الماضي مكتبة والحاضر مدرسة

إن العلاقة السوية مع الزمن تقتضي أن نضع كل مرحلة في سياقها الصحيح:

الماضي مكتبة: نرتادها لنستعير منها الحكمة والدروس، لا لنبني فيها بيوتنا ونسكن رفوفها.

الحاضر مدرسة: هي ميداننا الحقيقي للتعلم، التطوير، والمواكبة.

لقد أرشدنا ديننا الحنيف إلى هذا التوازن؛ يقول النبي ﷺ: “إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكُهم” (رواه مسلم). وفي القرآن الكريم تأسيس لاستقلال الأجيال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾.

خاتمة

إن الوفاء الحقيقي للماضي ليس في محاربة الحاضر به، بل في أن نكون امتداداً ناجحاً وممتناً. الجمال ليس محصوراً في حقبة، بل هو في قدرة العين على الرؤية. لنكف عن بناء جسور من الحنين الغرض منها فقط هدم جمال حاضرنا. لنفتح أبواب “المكتبة” لنعتبر، ونفتح أبواب “المدرسة” لنبني، شاكرين لنعم الله، ومؤمنين بأن كل زمان يلد فرسانه وأمجاده.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

حكاية وطن”..  حين تُبنى البيوت سَكنا وتُروى الأمجاد شِعرًا

  دكتور حسن الأمير تتعدد فصول الحكايات وتتنوع العبارات ولكن تبقى “حكاية وطن” هي الملحمة الأكثر خلوداً وإلهاماً في ذاكرة التاريخ الحديث……. ومع إشراقة الذكرى السادسة والتسعين لتوحيد المملكة العربية السعودية لا تبدو المناسبة مجرد استذكار ليوم مجيد فحسب بل هي تجسيد حي لرحلة عظيمة انتقلت فيها البلاد من شتات الصحراء إلى آفاق النماء والريادة العالمية في ظل رؤية السعودية 2030….. ولأن “الوطن” يبدأ من تفاصيل…

أيتها الحبيبة الغالية علينا

سارة السلطان / الرياض – اعلمي أن الإنسان عندما يخلو بنفسه بمكان هادئ، بعيد عن تأثير الآخرين ، يكون صادقا باتخاذ قرارات معينة ! – قد تهلكه أو تشرح صدره بالذات حين يتعلق الأمر باوامر بأوامر ونواهي الشرع! وبالذات أنت على فطرة الإسلام ولله الحمد، يهمك اتباع الحق ، نوجّه إليك هذا التساؤل يا غالية : – لماذا الحرص منا لكِ على اتباع الحق .. !؟…

لقد فاتك ذلك

أمر ملكي بتمديد خدمة الأمير فيصل بن نواف أميرًا لمنطقة الجوف لمدة أربع سنوات

أمر ملكي بتمديد خدمة الأمير فيصل بن نواف أميرًا لمنطقة الجوف لمدة أربع سنوات

السديس يكلّف أ.د. فريد الغامدي وكيلًا لرئيس الشؤون الدينية بالمسجد الحرام ومشرفًا على تطوير الأعمال

السديس يكلّف أ.د. فريد الغامدي وكيلًا لرئيس الشؤون الدينية بالمسجد الحرام ومشرفًا على تطوير الأعمال

«آل شرعا» يستحضر رحلة الحج ويذكر بشكر النعم

«آل شرعا» يستحضر رحلة الحج ويذكر بشكر النعم

قصائد الوطن تضيء أمسية «الأسرة المنتجة» بالتعاون مع أصدقاء الأدب بجازان

قصائد الوطن تضيء أمسية «الأسرة المنتجة» بالتعاون مع أصدقاء الأدب بجازان

في ليلة وطنية تنبض بالشعر.. «الأسرة المنتجة» تحتفي بالوطن بأمسية شعرية في حب الوطن

في ليلة وطنية تنبض بالشعر.. «الأسرة المنتجة» تحتفي بالوطن بأمسية شعرية في حب الوطن

الأمين العام لمنظمة أوبك: توجيهات الرئيس تبون سديدة واستقرار السوق لا يبنى بالبيانات

الأمين العام لمنظمة أوبك: توجيهات الرئيس تبون سديدة واستقرار السوق لا يبنى بالبيانات

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode