الرئيسية محلية تجار الوجع.. حين تصبح “الرقية” دكاناً والقشة مقصلة!

تجار الوجع.. حين تصبح “الرقية” دكاناً والقشة مقصلة!

3
0

 

بقلم: (يحيى بكري )

في اللحظة التي يطرق فيها المرض باب الإنسان، وتضيق به سبل التفسير المادي، تنشأ فجوة من الضعف الفطري؛ فجوة لا يملؤها سوى الأمل.

لكن في هذا الفراغ تحديداً، نبتت ظاهرة “الرقاة المعاصرين” كطفيليات تقتات على أوجاع المنكسرين.

إنها ليست مجرد قضية دينية، بل مأساة إنسانية يتحول فيها “الغريق” الباحث عن قشة نجاة إلى ضحية لكيان يبيع الوهم تحت ستار القداسة.

الجاهلية المعاصرة: منطق “قريش الجاهلية” يعود من جديد!

المفارقة المذهلة أن هؤلاء الرقاة يعيدون اليوم إنتاج ذات المنطق الذي تبنته “قريش الجاهلية” في محاربة الإسلام.

فحين نزل الوحي، لم يستوعب مشركو تلك الحقبة عظمة النص، بل أرادوا “طِبّ” النبي ﷺ (أي رقيته) ظناً منهم أن ما يمر به عارض من الجن.

واليوم، حين يواجه الرقاة تعقيد النفس البشرية أو اضطراب كيمياء الدماغ، يرتدون ذات العباءة؛ فيصمون المريض بالمس والسحر، محولين الإنسان المكرم إلى مسرح للصراعات الغيبية، مما يعطل العقل ويغيب الوعي .

سيكولوجية الاستغلال: بين “النصّاب” و”الموهوم”

ينقسم هؤلاء إلى صنفين، أحلاهما مرّ:

الدجال الواعي: تاجر محترف يدرك زيف ادعاءاته، يستثمر في “الطلب” المرتفع على المعجزات، يسرق المال والوقت، ويرحل حين تجف جيوب الضحية .

الموهوم (الأشد خطراً): هو “الجاني المؤمن بصوابه”.

يظن بصدق أن لديه تفويضاً إلهياً أو “سراً بالتجربة”.

هذا النوع لا يقبل النقد، ويرى في صراخ المريض وتوجعه انتصاراً على الجن! إنه مُدمر مخلص، يقيد المريض بالأوهام ويمنعه من المستشفى، حتى ينتهي به المطاف إلى انهيار كلي .

المقصلة: متى كان الدين حقل تجارب؟!

أخطر ما يروج له هؤلاء هو مقولة: “هي أمور بالتجربة”.

وهنا نسأل: متى كان الدين حقل تجارب شخصية؟

هل يصح أن “نجرّب” في الصلاة أو الصيام لنرى النتائج؟

بالطبع لا.

لقد نصب هؤلاء أنفسهم مشرعين، يبتدعون طقوساً وأرقاماً ووصفات (اقرأ كذا ٧١ مرة، واغتسل بكذا في ساعة كذا)، وهي ليست إلا شراكاً لربط المريض بـ “وسيط غيبي” وقطع صلته المباشرة بخالقه وبأسباب الشفاء المادية .

وجع الواقع: لماذا لا يشفى أحد؟

من واقع المشاهدة والخبرة، نجد حقيقة مرة: “لا يوجد شخص تعافى بالرقية المهنية تعافياً حقيقياً”.

ما يحدث هو تسكين مؤقت بالوهم، يتبعه انتكاس أشد مرارة.

الرقاة يستغلون رفض المريض لتصديق أنه يعاني مرضاً نفسياً -بسبب الوصمة الاجتماعية- فيقدمون له “المهرب الغيبي المريح”: (أنت مسحور، ولست مريضاً).

هذا الهروب هو الذي يمنع المريض من دوائه وطبيبه، ليمضي العمر وهو يدور في حلقة مفرغة تبيع الوهم لمن لا يملك نفعاً ولا ضراً .

طريق الخلاص: المسؤولية الكبرى

إن المواجهة لا تكون بمهاترات وسائل التواصل، بل بحل جذري يبدأ من “منبر المفتي”؛ المرجعية التي يثق بها الناس لنزع الشرعية عن “احتراف الرقية” ووصفه ببدعة جاهلية.

لابد من منع قانوني يغلق هذه الدكاكين، وثورة وعي مجتمعي توقن بأن الله جعل الشفاء في الأسباب المادية والطب، وأن الرقية صلة خاصة بين العبد وربه، لا تحتاج لوسيط ولا لسمسار

خاتمة القول: السحر حق، والرقية حق، لكن ما يمارسه الرقاة اليوم هو باطل مغلف بحق.

إنقاذ المساكين من براثنهم هو قمة الإيمان والرحمة الإنسانية.