الرئيسية مقالات ذيل الكلب ما يتعدل: في فلسفة الحذر من التحولات المفاجئة

ذيل الكلب ما يتعدل: في فلسفة الحذر من التحولات المفاجئة

66
0

 

بقلم أحمد علي بكري

ذيل الكلب ما يتعدل، وأبو طبع ما يجوز عن طبعه، أو كما يقول الإخوة في الكويت، وهذا المثل الشعبي البسيط في لغته، العميق في حكمته، ليس مجرد خلاصة تجارب يومية، بل هو اختصار فاضح لقانون إنساني قديم، قانون تحدث عنه الفلاسفة قبل العامة، ودرسه علماء النفس قبل الحكماء، وهو أن الطبع إذا استقر صار بنية، والبنية إذا ترسخت صارت مصيراً. فالشخص الذي عاداك طويلاً، وحاربك بلا هوادة، ثم جاءك فجأة بوجه جديد، ونبرة مختلفة، وادعاء مدهش بالتحول، لا يُقابل بالترحيب الساذج، بل بالحذر الواعي، لأن التحول الحقيقي لا يأتي فجأة، ولا يولد بلا مقدمات، ولا يعيش بلا ثمن داخلي يدفعه صاحبه. نيتشه قال يوماً: “احذر ممن يغير قناعه بسرعة، فالأقنعة لا تُرمى إلا عندما تُستبدل بأقنعة أنفع”، وهذا القول يلخص جوهر الإشكالية؛ فالتغيير الذي تحركه المصلحة لا الأخلاق، هو مجرد إعادة تموضع لا صحوة ضمير.

إن الشخص المتقلب، الذي لا يمتلك عقيدة ثابتة في خصومته ولا مبدأ واضحاً في اصطفافه، هو في جوهره كائن نفعي، يقيس المواقف بميزان الربح والخسارة لا بميزان الحق والباطل، وهذا النوع من البشر وصفه أفلاطون ضمنياً عندما تحدث عن “النفوس التيموقراطية” التي تتحرك بالشهوة والسلطة لا بالحقيقة. من الناحية النفسية، هذا السلوك يعكس شخصية انتهازية ذات مركزية عالية حول الذات، حيث يصبح الآخر مجرد وسيلة، لا قيمة مستقلة، وهذا ما يسميه علم النفس الحديث بالنفعية الاجتماعية أو الشخصية الميكافيلية، حيث يتقن الفرد التلاعب، تغيير الأقنعة، وبناء تحالفات مؤقتة تخدم مصلحته فقط.

هنا يصبح الخطر مضاعفاً، لأن هذا الشخص قد لا يكون مجرد متقلب، بل جاسوساً ناعماً، يتقن لعب دور الصديق، بينما ينقل تحركاتك وأفكارك ومواطن قوتك وضعفك إلى الطرف الذي يدفع أكثر أو يمنحه مساحة أوسع للنفوذ. أرسطو قال: “الصديق الحقيقي هو من يريد لك ما يريد لنفسه”، وبناءً على هذا التعريف، فإن من يريد لنفسه الربح من جميع الجهات لا يمكن أن يكون صديقاً لأحد، بل هو عميل مزدوج في سوق العلاقات. ومع ذلك، الحكمة لا تعني القطيعة العمياء دائماً، بل تعني إدارة الخطر بذكاء، فليس كل شر يُواجه بالسيف، بعضه يُواجه بالابتسامة، وبعضه يُستثمر حتى يحين أوانه.

فن التعامل مع من يعتقدون أنهم أذكياء، هو أن تتركهم يظنون ذلك، أن يشعروا بالأمان، أن يتوهموا أنهم يربحون، بينما أنت تدير المشهد ببرود أعصاب، مستخدماً وجودهم كجسر عبور، لا كركيزة بناء. مكيافيلي، رغم سمعته السيئة، قال حقيقة صادمة: “ليس على الحاكم أن يكون صالحاً دائماً، بل أن يعرف متى لا يكون كذلك”، وهذه القاعدة تنطبق على العلاقات المعقدة؛ فليس مطلوباً منك أن تسلم قلبك لمن شككت بعقله، بل أن تضبط المسافة بينك وبينه بدقة جراح. وحين تحين ساعة الحقيقة، لا تمنحه مكسباً حقيقياً، ولا تترك له أثراً يمكن أن يستخدمه ضدك، بل يُحرق كـ”منديل نواليت”، تماماً كما استُخدم من قبل ورُمي عندما انتهت صلاحيته، فالتاريخ لا يرحم من يظن نفسه أذكى من السنن.

لكن المأساة الأعمق حين يكون هذا الشخص من لحمك، من دمك، من دائرتك القريبة، وهنا تصبح المعادلة أكثر تعقيداً، لأن القسوة المطلقة قد تكسر ضلعاً منك، واللين المطلق قد يسمح للألم أن ينتشر في جسدك. لذلك، فإن الحكمة تفرض أن يُعامل كالضلع الأعوج؛ لا يُكسر فيؤلمك، ولا يُترك دون متابعة فيزداد اعوجاجاً. سقراط كان يرى أن أعظم معارك الإنسان هي مع من يشاركونه الحياة لا مع من يعادونه، لأن الخيانة القريبة أشد فتكاً من العداء البعيد. ومن منظور نفسي، فإن التوجيه المستمر، والمراقبة الهادئة، ووضع الحدود الصارمة، هي أدوات حماية لا أدوات عداء، تحافظ بها على توازنك دون أن تدخل في صراع استنزافي مع ذاتك.

في النهاية، هذه ليست دعوة للشك المرضي، ولا للتعامل العدائي مع الجميع، بل دعوة لليقظة العقلية، لفهم أن البشر لا يتغيرون إلا إذا تصالحوا مع ذواتهم، وأن من باع غيرك سيبيعك متى سنحت الفرصة، وأن الذكاء الحقيقي ليس في كشف الأقنعة فقط، بل في معرفة متى تترك القناع قائماً حتى يؤدي دوره الأخير. فذيل الكلب لا يتعدل، لكن العاقل يتعلم كيف يسير دون أن يدهسه.