الرئيسية مقالات كيف نحمي نقاءنا دون أن نفقد إنسانيتنا

كيف نحمي نقاءنا دون أن نفقد إنسانيتنا

31
0

 

بقلم أحمد علي بكري

لطالما ارتبط اللطف في الوعي الجمعي بفكرة المكافأة،كأن الطيبة عملة أخلاقية تضمن لك معاملة مماثلة،لكن هذه النظرة السطحية سرعان ما تنهار عند أول احتكاك حقيقي بالناس.الحياة لا تكافئ النيات بل تكشفها،ولا تُظهر معادن البشر عند الرخاء بل عند القدرة على الأذى.حين تكون لطيفًا فإنك لا تصنع نسخة أفضل من الآخرين،بل تمنحهم مساحة ليظهروا على حقيقتهم،وهنا تكمن الصدمة.الناس لا يتعاملون معنا كما نستحق بل كما اعتادوا أن يتعاملوا مع أنفسهم،فمن يحمل داخله صراعًا يرى في النقاء استفزازًا،ومن يعتاش على الفوضى يكره من يفرض الاتزان.من منظور فلسفي،اللطف ليس فضيلة اجتماعية بقدر ما هو موقف وجودي،اختيار واعٍ بأن لا تترك قبح العالم يعيد تشكيلك.الرواقيون لم يدعوا إلى البرود،بل إلى السيادة على الاستجابة،أن تفهم أن أفعال الآخرين خارجة عن إرادتك،لكن قيمك ليست كذلك.وحين قال أرسطو إن الفضيلة وسط بين رذيلتين،كان يعني أن الطيبة بلا حدود ليست فضيلة بل تفريط في الذات،وأن القسوة المطلقة ليست قوة بل إفراط في الأنانية.أما نيتشه فقد حذر من اللطف الذي يتحول إلى استسلام أخلاقي،حيث يبرر الإنسان الأذى باسم النية الحسنة حتى يفقد احترامه لنفسه.الصدمة من الناس ليست خيانة للأمل،بل تصحيح لمساره،فالوعي لا يُبنى دون انكسار،ولا يولد النضج إلا من رحم الخيبة.حسن النية لا يحميك من الخداع،لكنه يحميك من التحول إلى شخص ملوث بالريبة،ومن السقوط في منطق الانتقام الذي يلتهم صاحبه قبل خصمه.من الناحية النفسية،الإساءة انعكاس لا تقييم،ومن يسيء إليك لا يحدد قيمتك بل يعلن مستوى وعيه وحدوده الداخلية.لهذا فإن وضع الحدود ليس قطيعة مع الإنسانية،بل احترام لها،فالحدود هي اللغة الصامتة التي تقول للآخرين:هذا هو الحد الذي لا يُتجاوز.اللطف الواعي لا يعني أن تكون متاحًا للجميع،بل أن تختار لمن تمنح قلبك ووقتك دون شعور بالذنب.النضج الحقيقي هو أن تظل طيبًا دون أن تكون ساذجًا،واضحًا دون أن تكون قاسيًا،رحيمًا دون أن تسمح بالإهانة.وفي النهاية،الأفعال ستظل المعيار الوحيد للحقيقة،والحدود ستظل أصدق أشكال الحب للذات،فاللطف لا يعني أن تفقد نقاءك،بل أن تحميه من أن يُستنزف باسم حسن النية.