رمضان… مهلًا أيها العابر سريعًا إلى القلوب

بقلم أ. غميص الظهيري

حلَّ علينا رمضان، ولكن على عجل.

بالأمس استقبلناه بفرحٍ ولهفة، واليوم نودّع يومه الثالث وكأن الأيام تتسارع على غير عادتِها. يمضي رمضان خفيف الخطى، سريع العبور، حتى ليخال المرء أن الزمن فيه يجري أسرع من سائر الشهور. مهلًا يا رمضان… فما زلنا في أول الطريق، وما ارتوينا بعد من نفحاتك العطرة، ولا أدّينا حقك كما ينبغي.

انتظرناك عامًا كاملًا، أحد عشر شهرًا من الشوق والترقب، نعدّ الأيام حتى تعود. والله أعلم هل يُكتب لنا لقاؤك مرةً أخرى أم يكون هذا آخر العهد بك. لذلك نرجوك أن تُمهلنا، وأن تهدأ خطاك قليلًا، فنحن لا نزال نتعلّم كيف نكون فيك أقرب إلى الله، وأصفى قلبًا، وأنقى سريرة.

في رمضان تختلف الحياة، وتسمو الروح.

العبادات فيه ليست كغيرها، والطاعات تتضاعف، والحسنات تتكاثر، والصدقات تزدهر، والقلوب تلين بعد قسوتها. فيه تُصفَّد الشياطين، وتُفتح أبواب الجنان، وتُغلق أبواب النيران. وفيه ليلةٌ عظيمة، ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهر، كما ورد في القرآن الكريم، ليلةٌ تتنزّل فيها الملائكة وتعمّ السكينة أرجاء القلوب.

كيف لا نحبك يا رمضان وهذه صفاتك؟

كيف لا نتعلّق بك وأنت شهر الصفاء والمراجعة، شهر التوبة والبدايات الجديدة؟

صمنا نهارك، وأحيينا ليلك، واعتدنا هدوءك الذي يختلف عن صخب سائر الأيام. فيك نجتمع على موائد البساطة، ونلتقي على صلاةٍ جامعة، ونرفع أكفّ الدعاء بقلوبٍ مفعمةٍ بالرجاء. فيك نشعر أن الطريق إلى الله أقصر، وأن الرحمة أقرب، وأن الأمل أكبر.

فلا ترحل بهذه السرعة…

أمهلنا لنزداد طاعةً، ولنغتنم ما بقي من ساعاتك، ولنُكثر من تلاوة القرآن، ولنصلح ما أفسدته الأيام في داخلنا. إن كنت سريع الرحيل، فاجعل أثرك فينا طويلًا، واجعلنا بعدك أوفى عهدًا، وأثبت قلبًا، وأصدق نية.

رمضان ليس مجرد أيامٍ تمضي، بل مدرسة إيمان، ومحطة مراجعة، وفرصة عمر قد لا تتكرر.

فطوبى لمن أدركه بقلبٍ حاضر، وخرج منه بروحٍ أقرب إلى الله مما كانت.

عن سلمي

شاهد أيضاً

إعادة الجدولة قوة دولة لا علامة فشل: قراءة عقلانية في مشاريع المملكة العملاقة

  بقلم أحمد علي بكر يكثر في الآونة الأخيرة من يحاول تصوير أن المملكة العربية …