محلية

حتمية المكان وسقوط الأوهام الفكرية:تفنيد أطروحات كتاب «انتقام الجغرافيا»

 

بقلم: أحمد علي بكري

في زمنٍ تتسارع فيه التحليلات السياسية وتكثر فيه الشعارات الأيديولوجية،يبرز سؤال جوهري ظل حاضرًا منذ فجر التاريخ السياسي:هل تصنع الأفكار مصير الدول أم أن الجغرافيا هي الحاكم الأعلى الذي لا يُستأنف حكمه؟هذا السؤال هو جوهر الجدل الذي أعاد إحياءه كتاب انتقام الجغرافيا للكاتب الأمريكي روبرت د. كابلان،والذي حاول فيه تقديم أطروحة تبدو في ظاهرها عميقة،لكنها في جوهرها ليست سوى إعادة تدوير كلاسيكية لفكرة قديمة قُدمت بثوب صحفي جذاب،تقوم على أن الجغرافيا تنتقم دائمًا من الإنسان حين يتجاهلها.غير أن القراءة المتأنية للكتاب تكشف أن الكاتب لم يقدم قانونًا حتميًا بقدر ما قدّم انتقائية تحليلية تخدم تصورًا سياسيًا أمريكيًا أكثر مما تخدم علم الجغرافيا السياسية ذاته.ينطلق كابلان من فرضية أن التضاريس والحدود الطبيعية والمناخ والموقع الجغرافي هي المحدد الأساسي لسلوك الدول ومساراتها التاريخية،وأنه مهما حاول الإنسان القفز فوق هذه الحقائق فإن الجغرافيا ستعيده إلى مكانه.هذه الفرضية،رغم جاذبيتها،تعاني من اختزال مخلّ للواقع الإنساني،إذ تتجاهل قدرة الإنسان على كسر القيود المكانية عبر التكنولوجيا والتنظيم السياسي والاقتصاد والثقافة.فلو كانت الجغرافيا حتمية مطلقة لما رأينا دولًا فقيرة الموارد تتحول إلى قوى صناعية،ولا رأينا إمبراطوريات تنهار رغم امتلاكها أفضل المواقع والموارد.يستحضر كابلان أمثلة من أوروبا الشرقية وروسيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى،ويعيد تفسير الصراعات من منظور جغرافي صرف،لكنه يتجاهل عمدًا العوامل الفكرية والدينية والاقتصادية التي كانت في كثير من الأحيان هي المحرك الحقيقي للصراع،وليس الجغرافيا بحد ذاتها.فعلى سبيل المثال،حين يناقش الشرق الأوسط،يختزل تعقيداته في خطوط سايكس–بيكو والحدود المصطنعة،متجاهلًا أن الصراع في جوهره صراع هوية وسلطة وموارد وتدخلات دولية،وأن الجغرافيا كانت ساحة للصراع لا سببه الوحيد.كما أن الكاتب يسقط في فخ إسقاط التجربة الغربية على بقية العالم،فيفترض أن ما صلح لأوروبا في تفسير صعودها وصراعاتها يصلح بالضرورة لتفسير العالم الإسلامي أو الآسيوي،وهذا خطأ منهجي جسيم.فالجغرافيا لا تعمل في فراغ،بل تتفاعل مع الإنسان،والإنسان بدوره يعيد تشكيل الجغرافيا عبر السياسة والاقتصاد والعمران.ومن أبرز نقاط الضعف في الكتاب اعتماده على مدرسة الحتمية الجغرافية القديمة التي تجاوزها العلم الحديث،والتي كانت ترى أن المناخ والمكان يصنعان الإنسان والحضارة،وهي مدرسة استُخدمت تاريخيًا لتبرير الاستعمار والتفوق العرقي.ورغم أن كابلان يحاول التنصل من هذا الإرث،إلا أن منطقه التحليلي يعيد إنتاجه بشكل ناعم،حين يبرر ضمنيًا سياسات القوى الكبرى بوصفها استجابة طبيعية لضرورات جغرافية،لا اختيارات سياسية يمكن محاسبتها.كما يتجاهل الكتاب دور العولمة والثورة الرقمية في تقليص أثر الجغرافيا التقليدية،فاليوم لم تعد البحار وحدها طرق التجارة،ولا الجبال وحدها حواجز التواصل،بل أصبحت البيانات والاقتصاد الرقمي والتحالفات العابرة للقارات عوامل تعيد رسم خرائط النفوذ.إن حتمية الجغرافيا التي يروج لها كابلان ليست سوى نصف الحقيقة،أما النصف الآخر فيكمن في الإرادة الإنسانية والقرار السياسي والقدرة على التكيف.فالجغرافيا تفرض قيودًا،نعم،لكنها لا تفرض مصيرًا نهائيًا.والتاريخ مليء بأمثلة شعوب ودول تحدت قيود المكان وصنعت لنفسها موقعًا جديدًا في العالم.إن خطورة أطروحة «انتقام الجغرافيا» لا تكمن في كونها خاطئة بالكامل،بل في كونها تُستخدم كأداة تفسير مريحة تبرر الفشل والعدوان وتغفل المسؤولية الإنسانية.فالسياسي الذي يؤمن بالحتمية الجغرافية سيتخلى عن الإصلاح بحجة الموقع،والقوة الكبرى ستبرر تدخلها بحجة الضرورة الجغرافية.ومن هنا تأتي أهمية تفنيد هذا الخطاب،ليس برفض الجغرافيا،بل بإعادتها إلى حجمها الطبيعي كعامل من بين عوامل متعددة.في النهاية،الجغرافيا لا تنتقم،بل الإنسان هو من يعاقب نفسه حين يختبئ خلفها ليبرر عجزه أو أطماعه.وإذا كان من درس يجب استخلاصه،فهو أن المكان يؤثر،لكنه لا يحكم،وأن التاريخ تصنعه القرارات قبل أن تصنعه الخرائط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى