الكاتبة /وجنات صالح ولي.
نعيش بين الناس كمن يسير في سوقٍ مزدحمٍ بالمشاعر، نرى الوجوه، نسمع الكلمات، لكننا لا نُبصر الحقيقة كاملة؛ الغريب في الأمر أن أقرب الناس إلينا، أولئك الذين يشاركوننا تفاصيلنا اليومية، قد يكونون الأكثر حضورًا في حياتنا والأقل تقديرًا في أعيننا، نعتادهم فنختصرهم، ونألفهم فنُهمل جمالهم، فالرجل الذي يعيش مع زوجته تحت سقفٍ واحد يراها كل يوم، في صمتها وحديثها، في تعبها واهتمامها، في لحظات قوتها وضعفها، هذه المرأة لا تُجيد التمثيل، ولا تملك رفاهية اختيار الوقت المناسب لتكون مثالية، هي على طبيعتها دائمًا، بلا فلترة ولا تصنّع، لكن المفارقة أن امرأةً أخرى بعيدة، لا يراها إلا في لحظات محدودة، قد تبدو له أكثر لطفًا وأكثر فهمًا وأكثر جمالًا، فقط لأنها تظهر في نسخة مختصرة من نفسها، نسخة لا تكشف كل الحقيقة، فالقرب ليس اختبارًا سهلًا، القرب يكشف التفاصيل، والتفاصيل لا تكون دائمًا مريحة، نحن لا نظلم القريب لأنه سيء، بل لأنه مكشوف، ولا نُعجب بالبعيد لأنه أفضل، بل لأنه غامض، وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية؛ حين يبتعد القريب أو نفقده، فجأة تتجمع التفاصيل في ذاكرتنا كنجومٍ كانت متناثرة فنراها لوحة كاملة، وندرك أننا كنا نعيش وسط جمالٍ لم نحسن قراءته، نكتشف متأخرين أن “العادي” الذي كنا نراه كان استثنائيًا، وأن “المألوف” الذي اعتدناه كان نعمة لا تُعوّض، وفي المقابل حين يقترب البعيد تتساقط الصورة المثالية تدريجيًا ونبدأ برؤية الحقيقة كما هي بلا زينة ولا مسافة تحميها، وهنا فقط تتعدل الموازين، والخلاصة التي لا نحب الاعتراف بها أننا لسنا دائمًا منصفين في حكمنا، بل نحن أسرى المسافة، فالقرب يرهقنا بالتفاصيل، والبعد يخدعنا بالاختصار، لذلك قبل أن تُفتن ببعيد انظر جيدًا إلى من هو قريب، وقبل أن تقلل من قيمة من معك تخيّل غيابه، فبعض الناس لا يتغيرون حين يرحلون، نحن فقط أخيرًا نراهم كما كانوا.







