في زمن الضجيج: من يعمل بصمت يخسر أمام من يتبنّى النجاح

بقلم: كمال فليج – الجزائر

لم يعد النجاح في زمننا مرهونًا فقط بحجم الجهد المبذول أو صدق النوايا، بل بات مرتبطًا بقدرة صاحبه على تسويقه والظهور به في اللحظة المناسبة. في خضم هذا الضجيج الإعلامي المتسارع، تتراجع قيمة العمل الصامت، ويصعد إلى الواجهة أولئك الذين يجيدون تبنّي الإنجاز بعد اكتماله، مردّدين بثقة: “لولا أنا ما كان…”.

حيث يعمل كثيرون في الظل، يواجهون التعقيدات، ويتحملون مسؤولية البناء خطوة بخطوة. هؤلاء لا يبحثون عن الأضواء بقدر ما يسعون إلى تحقيق النتائج.
في المقابل، هناك من ينتظر اكتمال الصورة، ثم يدخل المشهد بخطاب جاهز، يقدّم نفسه كجزء أساسي من النجاح، مستفيدًا من ضعف التوثيق وقصر ذاكرة الجمهور.

قد يبدو تبنّي الأحداث مهارة في قراءة اللحظة، لكنه في جوهره يعكس سلوكًا انتهازيًا يقوم على القفز فوق المراحل الصعبة.
فمن لم يكن حاضرًا في لحظة القرار، ولا في وقت المخاطرة، كيف يتحول فجأة إلى “صانع إنجاز”؟ إنها معادلة مختلّة، تُكافئ الحضور المتأخر أكثر من العمل الحقيقي.

“لولا أنا ما كان…”: هذه العبارة ليست مجرد تعبير عابر، بل مؤشر على ثقافة تُعيد تشكيل الواقع وفق رغبات أصحابها. فهي تلغي أدوارًا، وتختصر جهودًا، وتعيد توزيع الفضل بشكل غير عادل.
ومع تكرارها، تتحول إلى أداة لفرض رواية بديلة، قد يصدقها البعض مع مرور الوقت.

و نستنتج ان مساهمة  وسائل التواصل في تضخيم هذه الظاهرة، حيث أصبح الوصول إلى الجمهور أسرع من الوصول إلى الحقيقة.
الصورة الجذابة، والتصريح الواثق، وإعادة النشر، كلها أدوات كفيلة بتحويل المتفرج إلى بطل، وصانع الحدث إلى اسم هامشي في القصة.

حين يُنسب النجاح لغير أهله، يُصاب الفاعلون الحقيقيون بالإحباط، وتفقد بيئة العمل روحها الجماعية.
كما تتشوّه الذاكرة العامة، ويصبح من الصعب التمييز بين من صنع الحدث ومن تبنّاه.

و حتى نعيد الاعتبار للعمل الحقيقي يجب علينا : 

  • توثيق المراحل منذ البداية، وعدم انتظار لحظة النجاح فقط.
  • تعزيز ثقافة الاعتراف الجماعي بالجهود.
  • تحمّل الإعلام مسؤوليته في نقل الصورة الكاملة.
  • وعي الجمهور بألا ينخدع بالظهور المتأخر.

ختاما في زمن الضجيج، قد يبدو أن من يعمل بصمت يخسر، لكن الحقيقة أعمق من ذلك. فالنجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بمن ظهر في نهايته، بل بمن تحمّل عبء بدايته.
قد يربح راكبو الموجة جولة الأضواء، لكن التاريخ—حين يُكتب بصدق—لا يمنح المجد إلا لمن كانوا هناك منذ اللحظة الأولى، لا لمن قالوا بعد ذلك: “لولا أنا ما كان…”.

صدى نيوز إس 2

Related Posts

المملكة التي تكتب زمنها

  بقلم المستشار/ مازن آل ظافر في مطارٍ بعيد، تقول كلمة عابرة، فيضحك من حولك شخصٌ واحد، قبل أن تكتمل عبارتك. تلك اللحظة هي الوطن: أن تجد من يفهم الإشارة والنبرة قبل أن تشرحها، ويعرف لماذا قلتها بهذه الطريقة، وما الذي حملته الكلمة وراء معناها الظاهر. نعرفه في أشياء صغيرة تكبر معنا. في استقبال الضيف، وفنجان القهوة الذي يسبق السؤال، ومجلسٍ يطول لأن الألفة وجدت فيه…

وطني الحبيب

الإعلامي /دغشر عياشي ليس الوطن أرضًا نعيش فوقها فحسب، بل هو حكايةٌ تسكن القلب، وذاكرةٌ تحفظ تفاصيل العمر، وأمانٌ نشعر به في نفوسنا. تربينا على حبه ورضعنا عشقه مع حليب امهاتنا وعلمنا على ان نفتديه بارواحنا اباءنا واجدادنا وفي اليوم الوطني السعودي، لا نحتفل بيومٍ عابر في صفحات التاريخ، وإنما نستعيد قصة وطنٍ بدأت من حلم، وتأسست على العزم، ومضت بخطى ثابتة نحو المجد. في هذا…

لقد فاتك ذلك

المملكة التي تكتب زمنها

المملكة التي تكتب زمنها

وطني الحبيب

وطني الحبيب

سعودية حد النخاع

سعودية حد النخاع

«مارد الذكرى» يستحضر الوطن والإنسان في أمسية شعرية بجمعية الثقافة والفنون بالطائف

«مارد الذكرى» يستحضر الوطن والإنسان في أمسية شعرية بجمعية الثقافة والفنون بالطائف

أبناء كيان في فعالية ترفيهية بأكستريم زد ضمن احتفالات اليوم الوطني السعودي 

أبناء كيان في فعالية ترفيهية بأكستريم زد ضمن احتفالات اليوم الوطني السعودي 

غرفة جدة تحتفي باليوم الوطني السعودي ( الـ 96) بحضور القناصل ورجال وسيدات الأعمال

غرفة جدة تحتفي باليوم الوطني السعودي ( الـ 96) بحضور القناصل ورجال وسيدات الأعمال

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode