في مجلس الحكواتي
… حيث لا تُصاغ الأسئلة من فراغ، بل تُستخرج من روح التجربة ومن نبض النص… نلتقي اليوم بشاعرٍ جاء من باتنة، من حضن جبال الأوراس، يحمل في داخله ذاكرة المكان ووهج الفكرة، وعشق اللغة العربية بكل تجلياتها. قارئٌ لفكر الكبار، ونسّاجٌ لنصوصٍ تتكوّن من الشوق والحنين والصورة والدهشة… إنه الشاعر مراد جمال.
س1: في نصوصك نقرأ: “الشوق يمد جذوره… يتغلغل بعروق الحكايا”… كيف تصف علاقتك بالشوق؟ وهل هو مصدر الكتابة لديك أم نتيجتها؟
ج1: الشوق مصدر كتاباتي ونتيجتها في آنٍ واحد. قد يكون وطناً حبيباً أو امرأةً حبيبة، وهو جزء أصيل شرقي إنساني في طبيعتي الشاعرية، أغمس فيه يراعي وأنهل منه، فتولد من رحمه حروفي.
س2: تكتب: “يموسق هذا الليل”… هل تكتب القصيدة بإحساس الموسيقى قبل المعنى؟
ج2: الموسيقى حرف، والحرف موسيقى. قبل الكتابة كان العزف، والمعنى نسيجٌ خفي بروح الوتر، فالمعنى عندي ليس إلا نسقاً جميلاً من التناغم.
س3: في نصك: “ما اكتفيت منك كما لم يكتفِ اليم من ماء”… هل تميل إلى فكرة “اللااكتمال” كحالة إنسانية في تجربتك؟
ج3: مهما كان التكامل، فلا يوجد كمال في التجربة الإنسانية. دائماً هناك ظمأ للصورة البيانية المكتملة، لكن يبقى الجمال والكمال أمراً مرغوباً يناشده الشاعر ولا يبلغه تماماً.
س4: في نصوصك حضور للطبيعة: الماء، الطين، البحر، النهر… هل هي رموز واعية أم انعكاس تلقائي لروحك؟
ج4: هي مسقط الرأس، أو الوطن كحالة شوق وانتماء، تعكس الحالة النفسية والفسيولوجية للشاعر. طبيعة الوطن من ماء وخضرة وشجر هي تعلق بالروح وانطباع ينعكس على الكتابة.
س5: صورتك: “كشارب من بحر أهلكه الظمأ”… هل ترى أن التناقض هو جوهر الشعر الحقيقي؟
ج5: نعم، التناقض أو التباين في المعنى يلهب النص ويُظهر جماليته ويمنحه عمقه الخاص.
س6: كونك من جبال الأوراس… كيف ينعكس هذا الانتماء في لغتك الشعرية؟
ج6: الأوراس جبل وهوية. نحبه ويحبنا، وهو رمز للثورة والمقاومة والشموخ والصمود، ولذلك تجد في معظم كتاباتي روح التحدي والشموخ، حتى في أرقّ الأحاسيس كالشوق والحنين.
س7: قراءتك لمالك بن نبي وأنيس منصور… هل صنعت لديك توازناً بين الفكر والشعر أم فصلًا بينهما؟
ج7: هو التكامل بين الفكر العقلي والوجدان الروحي.
س8: في نصوصك حضور قوي للشوق والحنين… هل تكتب من تجربة عاشها القلب أم من خيال يتشكل داخل اللغة؟
ج8: البداية كانت تمخّضاً للمشاعر، ثم ولادةً للشعر. في الأصل كانت العاطفة التي أججها الخيال الجامح.
س9: نهاياتك الشعرية مفتوحة مثل: “أين أنت يا قصب السكر؟”… هل تقصد أن تترك القارئ في حالة سؤال دائم؟
ج9: أعشق النهايات المفتوحة، فهي تُبقي النص غامضاً تحت دهشة التساؤل.
س10: لو اختزلنا تجربتك في سطر واحد… ماذا تقول عن نفسك كشاعر؟
ج10: شاعر الواقع والسريالية، كما وُصفت: الأمير الساحر والمصفّف.
س11: ما هو حلمك كشاعرٍ يحمل الشوق لغةً والفكرة عمقًا؟
ج11: حلمي أن يلامس الحرف الجميل القلب والعقل العربي، فيحوّله إلى شاعرٍ محارب.
س12: ما رسالتك إلى الشاعر العربي المبتدئ؟
ج12: أن يكون الشاعر العربي كالوطن العربي: كله هوية وشموخ. دائماً كالأُسود في الذود والتضحية، فالشعر ليس عيوناً سوداء لامرأة فقط، بل سيفٌ يدافع عنها، ورماحٌ لا تكل.
في مجلس الحكواتي… لا تنتهي الحكايات، بل تترك أثرها في الذاكرة. نلتقي بشاعرٍ جعل من الشوق لغة، ومن الصورة حياة، ومن الكلمة نبضاً.
وفي ختام هذا اللقاء، اتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى مجلس الحكواتي على هذا الاستقبال الراقي، وإلى الحكواتي الذي صاغ من الحوار حكاية، ومن الحكاية أثراً لا يُنسى، الكاتب فايل المطاعني الذي منح للكلمة مسارها، وللحوار روحه، وللحكاية امتدادها الجميل.
كتب الحوار .
فايل المطاعني ( الحكواتي )








