كمال فليج – الجزائر
في لحظة إقليمية دقيقة تتقاطع فيها التحديات الأمنية مع الرهانات الاقتصادية، جاءت زيارة رئيس جمهورية تشاد، محمد إدريس ديبي إتنو، إلى الجزائر بدعوة من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، لتؤكد أن الدبلوماسية الجزائرية تمضي بثبات نحو إعادة رسم ملامح حضورها الإفريقي، ليس فقط سياسياً، بل اقتصادياً واستراتيجياً.
هذه الزيارة لم تكن مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل حملت في طياتها مؤشرات واضحة على تحول نوعي في العلاقات بين الجزائر وتشاد، نحو شراكة متعددة الأبعاد، تستند إلى رؤية مشتركة لمستقبل منطقة الساحل الإفريقي.
أكثر ما لفت الانتباه في هذه الزيارة هو الزخم الكبير في الاتفاقيات الموقعة، والتي شملت ما يقارب 27 اتفاقية ومذكرة تفاهم، توزعت على قطاعات حيوية، في مقدمتها الطاقة، حيث تسعى الجزائر إلى نقل خبرتها عبر مجمع سوناطراك، نحو السوق التشادية، في خطوة تعكس توجهاً واضحاً لتدويل الخبرة الجزائرية في مجال المحروقات.
ولم يقتصر التعاون على الطاقة، بل امتد ليشمل النقل والبنية التحتية، حيث تبرز الجزائر كمنفذ استراتيجي لتشاد نحو البحر الأبيض المتوسط، عبر موانئها الكبرى، وهو ما يمنح نجامينا متنفساً اقتصادياً مهماً، ويعزز في المقابل موقع الجزائر كبوابة لإفريقيا نحو أوروبا.
في المجال الزراعي، تبدو الفرص واعدة أمام شراكة قائمة على التكامل، إذ تمتلك تشاد مساحات زراعية شاسعة غير مستغلة بالشكل الكافي، في حين تحوز الجزائر خبرة تقنية وبشرية يمكن أن تُحدث نقلة نوعية في هذا القطاع، إذا ما تم استثمارها ضمن رؤية بعيدة المدى.
أما في الجانب الأمني، فإن التنسيق بين البلدين يكتسي أهمية خاصة، في ظل التحديات التي تعرفها منطقة الساحل، حيث يشكل الإرهاب والجريمة العابرة للحدود تهديداً مشتركاً. ومن هنا، تبدو الجزائر حريصة على تعزيز مقاربتها القائمة على الربط بين الأمن والتنمية، باعتبارهما وجهين لعملة واحدة.
سياسياً، عكست المحادثات بين الرئيسين تقارباً لافتاً في الرؤى تجاه القضايا الإقليمية، خاصة ما يتعلق بالأزمات في ليبيا والسودان، وهو تقارب يعزز فرص بناء موقف إفريقي موحد، بعيداً عن التدخلات الخارجية التي أثبتت التجارب أنها تزيد من تعقيد الأوضاع بدل حلها.
إن ما يميز هذه الزيارة هو أنها تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، تنتقل فيها الجزائر وتشاد من مستوى التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، القائمة على المصالح المتبادلة والرؤية المشتركة.
وفي المحصلة، لا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن التحولات الكبرى التي تشهدها القارة الإفريقية، حيث تسعى الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها وبناء شراكات داخلية قوية. وفي هذا السياق، تبدو الجزائر مصممة على لعب دور محوري، ليس فقط كفاعل سياسي، بل كقوة اقتصادية قادرة على التأثير في محيطها الإفريقي.








