بقلم: أحمد علي بكري
بينما تنزوي ذكريات “بندر جازان” القديم خلف واجهات التحديث، يبقى صدى التاريخ يتردد في أزقة حي “البلد” وحواف ساحل “البونية” العتيق. هناك، حيث كان الموج يداعب أقدام العابرين، قام يوماً صرحٌ ديني ومعماري عظيم عُرف بـ “مسجد السادة”. هذا المسجد لم يكن مجرد أحجار مرجانية وأعمدة خشبية، بل كان تجسيداً لسيادة علمية وروحية لأسرة الزيلعي العقيلية، واليوم، ونحن نقف على أطلاله التي استُبدلت بهنجرٍ وبناءٍ يفتقر لأدنى المعايير، نفتح ملفات التاريخ لنقرأ سيرة بانيه، ومسيرة أحفاده، وفصل المعاناة الأخير الذي وثقته الصحافة المحلية.
صاحب المسجد: الشيخ صفي الدين “صاحب المسواك”
يعود تأسيس هذا المسجد إلى القرن العاشر الهجري، على يد الشيخ الشهير والمتعبد الزاهد صفي الدين أحمد بن عثمان بن أبي بكر الزيلعي العقيلي. عُرف هذا الرجل في أوساط المخلاف السليماني بلقب “صاحب المسواك”، وهو لقبٌ عكس حالة من الملازمة الروحية لسنن المصطفى ﷺ، حتى غدا أيقونة للورع في “بندر جازان”. تشير المصادر التاريخية والمخطوطات الأسرية العتيقة إلى أن الشيخ وُلد تقريباً في عام 882 هـ، وعاش سبعين عاماً تقريباً قضى جلها في التدريس وإمامة الناس حتى وفاته في عام 952 هـ ببندر جيزان.، حيث دُفن في ذات البندر الذي أحبه، وضمه قبر واحد مع ولده الشيخ عقيل بن أحمد الذي رحل قبله بأشهر، وعلى عكس ما قد يتوهمه البعض، فقد كان موقع قبره وقبر ولده الشيخ عقيل بن أحمد في الجهة الجنوبية الخارجية للمسجد، بعيداً تماماً عن القبلة والمحراب، التزاماً بالهدي الشرعي الذي يمنع اتخاذ القبور مساجد، وهو ما يؤكد الوعي الفقهي الذي صاحب بناء هذا المعلم منذ قرون.
عبقرية الموقع: العين الجارية و “البونة”
تم اختيار موقع المسجد بذكاءٍ فطري؛ إذ يقع قبالة الساحل مقابله “البونة”، وهي المنطقة التي كانت تمثل “نادي الحياة” لأهالي البندر للاستحمام وغسل المواعين. ولعل أعظم أسرار هذا المسجد المعمارية هي “العين الجارية” التي كانت تنبع من داخل حرم المسجد؛ حيث استُفيد منها في سقاية المصلين والوضوء، ثم تنساب مياهها في ممر مائي هندسي دقيق ينتهي صبّه إلى “البونة”.
تميز المعمار بوجود ثلاثة أبواب: الشرقي والغربي للعامة، والجنوبي الذي كان بمثابة شريان خاص لـ “بيوت البكارية” (آل البكري الحماقية)، وهم أحفاد الشيخ أحمد بن عثمان الذين ورثوا المسجد وسكنوا بجواره، وسجل التاريخ أن آخر من قام على المسجد من أحفاده هما: المؤذن أحمد علي محمد بكري، وأخوه الخطيب والإمام حمود علي محمد بكري، اللذان حفظا أمانة المنبر والأذان حتى آخر عهد للمسجد ببنائه القديم.
لغز العين الجارية و “البونة”
تميز مسجد السادة بظاهرة بيئية فريدة، وهي وجود “عين جارية” تنبع من حرم المسجد وتنساب في ممر مائي هندسي ينتهي بساحل “البونية” (أو البونة كما يسميها أبناء مدينة جيزان). لم يكن اختيار هذا الموقع عبثاً، فقد كانت “البونة” هي القلب الاجتماعي النابض للبندر، حيث يقصدها الأهالي بشكل يومي لغسل المواعين (الأواني) والملابس والاستحمام.
ورغم محاولات البعض اليوم للترويج بأن التسريبات المائية في الموقع هي مجرد “مياه مجاري”، إلا أن الشواهد والوقائع تثبت نقيض ذلك:
استمرارية النبع: لا تزال التسريبات المائية تنبع من تحت الأرض في موقع المسجد التاريخي حتى يومنا هذا، كشاهد حي على تلك العين.
التقرير المخبري: أثبتت التحاليل المخبرية الدقيقة لهذه المياه مؤخراً أنها مياه “صالحة للشرب” وعذبة، مما يدحض الافتراءات التي تحاول طمس معالم هذا الإرث المائي وتبرير إهماله.
فصل السقوط: من التاريخ إلى “الأخطاء الإنشائية”
لم تكن نهاية المسجد المعمارية تليق بعراقته؛ فبعد قرار الهدم وإعادة البناء، دخل المسجد في نفقٍ مظلم من التعثر استمر لسنوات. وبحسب ما نشرته جريدة “الوطن” في سبتمبر 2012، فقد كُشف الستار عن مأساة حقيقية؛ حيث استعجل الأهالي افتتاح المسجد تزامناً مع شهر رمضان بعد تأخر المقاول لعدة سنوات، ليصطدموا بواقعٍ مرير.
أظهر الافتتاح عيوباً هندسية وفنية جسيمة، وتمديدات كهربائية خاطئة، وأجهزة تكييف رديئة تعطلت في أسبوعها الأول، مما أجبر جماعة المسجد على الإصلاح على نفقتهم الخاصة. وقد أكدت “الشؤون الإسلامية” حينها رفضها استلام المشروع لوجود أخطاء إنشائية ومخالفات للمقاول، وهو ما يفسر الحالة المتردية التي آل إليها المسجد اليوم؛ حيث انتهى به المطاف ليقبع تحت سقف من “الهنجر”، فاقداً هويته التاريخية وعينه الجارية ومئذنته الأصيلة.
الخاتمة: أمانة التاريخ
إن تحول مسجد السادة من منارة عقيلية بُنيت عام 952 هـ إلى بناءٍ متعثر تسكنه الأخطاء الإنشائية هو طعنة في خاصرة التراث الجازاني. إن غياب المسجد بشكله القديم لا يعني غياب تاريخه، فنسب الشيخ أحمد بن عثمان المحفوظ في صدور ذريته (آل البكري)، وما تبقى من وثائق، هي الشاهد الباقي. لكن يبقى السؤال المرير: كيف سمحنا لهذا التاريخ أن يُهدم ليُستبدل بـ “هنجر” وبناءٍ لم تتقبله حتى الجهات الرسمية؟
أبرز المصادر المرجعية:
مخطوط وفاة الشيخ صفي الدين (952 هـ).
كتاب “تاريخ المخلاف السليماني” – محمد بن أحمد العقيلي.
تقرير جريدة “الوطن” (أخطاء إنشائية في مسجد السادة) – 14 سبتمبر 2012.
سجلات الأرشيف العثماني وخرائط كارستن نيبور.









