بقلم: أحمد علي بكري
في عملية أمنية وُصفت بأنها “الأضخم” في تاريخ مقاطعة تشيشاير البريطانية، نجحت السلطات في اقتحام المعقل الرئيسي لجماعة “دين السلام والنور الأحمدي” (The Ahmadi Religion of Peace and Light)، لتميط اللثام عن سلسلة من الجرائم المروعة التي كانت تُرتكب خلف الجدران الصامتة لمبنى “ويب هاوس” العتيق.
كواليس المداهمة: “ساعة الصفر”
لم تكن المداهمة مجرد إجراء روتيني، بل كانت عملية عسكرية الطابع شارك فيها 500 ضابط من مختلف التخصصات، بما في ذلك وحدات مكافحة الجرائم المنظمة وفرق حماية الضحايا. طوقت القوات مبنى “ويب هاوس” في مدينة “كرو”، وهو مبنى كان يُستخدم سابقاً كدار للأيتام، قبل أن تتحول غرفه وقاعاته إلى مقر إقامة دائم لنحو 150 شخصاً من أتباع الجماعة الذين يعيشون في عزلة تامة عن المجتمع البريطاني.
قائمة التهم: استعباد في القرن الحادي والعشرين
التحقيقات التي قادت إلى هذه المداهمة لم تركز فقط على الجوانب العقائدية، بل استهدفت شبكة إجرامية معقدة. وتواجه الجماعة تهماً تشمل:
الاستعباد الحديث: إجبار الأفراد على العمل القسري ومصادرة وثائق سفرهم والتحكم الكامل في تحركاتهم.
الانتهاكات الجنسية والزواج القسري: مزاعم بتزويج فتيات ونساء قسراً لرجال داخل الجماعة تحت مبررات دينية، ووقوع اعتداءات جنسية ممنهجة.
الاستغلال المالي: شبهات قوية حول غسيل أموال وعمليات احتيال لتمويل أنشطة الجماعة الدولية وتوسيع نفوذها الرقمي.
جنسيات الموقوفين: شبكة دولية خلف الجدران
كشفت شرطة تشيشاير عن هوية المعتقلين التسعة (6 رجال و3 نساء)، والذين يمثلون “نواة القيادة” أو العناصر المؤثرة في المقر. وتظهر جنسياتهم التنوع الجغرافي الذي تعتمد عليه الجماعة في استقطاب أتباعها:
من القارة الأمريكية: موقوفون من الولايات المتحدة والمكسيك.
من القارة الأوروبية: موقوفون من إيطاليا، وإسبانيا، والسويد.
من المنطقة العربية: موقوف يحمل الجنسية المصرية.
هذا التنوع يؤكد أن الجماعة تدير شبكة تجنيد عالمية تستهدف الشباب عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتقنعهم بالهجرة إلى المقر في بريطانيا للعيش فيما يصفونه بـ “أرض الخلاص”.
الجذور العقائدية: ما هي جماعة “دين السلام والنور”؟
من الضروري التمييز بين هذه الجماعة وبين “الطائفة الأحمدية” المعروفة (القاديانية)؛ فهذه الجماعة هي انشقاق حديث وغامض نشأ في مطلع القرن الحادي والعشرين.
الانتماء الديني: تدعي الجماعة في ظاهرها الانتماء لآل البيت، لكنها تتبنى عقائد غنوصية متطرفة تؤمن بتناسخ الأرواح وبأن قائدها الحالي (عبد الله هاشم أبا الصادق) هو “المنقذ” الذي أرسل لرفع التكاليف الشرعية وتغيير الأحكام الدينية.
الوضع القانوني: ترفض المؤسسات الإسلامية الرسمية (سنة وشيعة) الاعتراف بهذه الجماعة، وتعتبرها حركة منحرفة تستغل العواطف الدينية لتحقيق مآرب شخصية ومالية.
مصير الضحايا والخطوات القادمة
عقب المداهمة، قامت أجهزة الرعاية الاجتماعية بتقديم الدعم النفسي والطبي للعشرات من المقيمين داخل المقر، والذين يُعتقد أنهم خضعوا لعمليات غسيل دماغ طويلة الأمد. وتعمل الشرطة الآن على فحص كميات هائلة من الأجهزة الإلكترونية والمستندات التي ضُبطت، في محاولة لتتبع مسارات الأموال وكشف هوية ضحايا آخرين قد يكونون خارج حدود المملكة المتحدة.
تظل قضية “مقر كرو” جرس إنذار للسلطات الأوروبية حول كيفية نمو هذه الجماعات المنغلقة تحت ستار “الحرية الدينية”، بينما تمارس في الخفاء أبشع أنواع الاستغلال البشري.






