بقلم: فايل المطاعني الحكواتي
جريمة في بوردو
الفصل الرابع: حيرة سارة
حاولت “سارة” أن تنام، لكن خوفها على والدها سرق النوم من عينيها. فخرجت إلى شرفة الفيلا، تتأمل الأزهار التي تحيط بالمكان من كل جانب، ولا سيما أشجار الخوخ الأنيقة التي أوصت البستاني “روجيه” بالإكثار منها حول جناحها الخاص.
كانت تعشق رائحة الخوخ في الصباح الباكر، حين تمتزج قطرات الندى بعبيره الرقيق، فتمنح المكان سحرًا خاصًا وتبعث في النفس راحة مؤقتة. وللحظات، أنساها ذلك الجمال المشكلة التي تؤرقها، لكنها سرعان ما عادت إلى واقعها المقلق.
قالت في نفسها:
ـ نعم… أعلم أن والدي يقوم بأعمال لا أظنها تتوافق مع القانون، لكنني لا أعرف حقيقتها. وإلا فما الذي يدفع المافيا إلى الاستيلاء على بعض شركاته؟ أنا على يقين أن ما يحدث ليس سوى تصفية حسابات… فهل يعمل أبي معهم فعلًا؟
تنهدت بقلق وقالت:
ـ يا إلهي… ماذا أفعل؟
ثم راحت تفكر بصوت خافت:
ـ بهذه الأعمال سيلفت والدي انتباه الشرطة الفرنسية، فهي لا تتهاون في مثل هذه القضايا، مهما كانت مكانة الشخص أو نفوذه. حتى لو كان رجل أعمال قويًا ومخيفًا مثل أبي.
أغمضت عينيها وهمست:
ـ آه يا سام… لماذا فعلت ذلك؟ التعامل مع المافيا خطر… بل خطر للغاية. أنت لست بحاجة إلى المال، فما الذي يدفعك إلى هذا الطريق؟
ساد الصمت للحظات، ثم سألت نفسها:
ـ ماذا يجب أن أفعل لإنقاذ والدي؟
فجأة خطرت لها فكرة.
ـ لماذا لا أستعين بالشرطة الفرنسية؟ لا شك أنها تعرف الكثير عن أنشطة والدي، وربما تستطيع أن تؤكد أو تنفي وجود أي صلة بينه وبين المافيا.
وتابعت تفكيرها:
ـ نعم… سأستعين بصديقنا الكولونيل “رينو”. فهو صديق زوجي، وأنا أثق به كثيرًا. وبالتأكيد لن يفشي سري. سأخبره أن الأمر شخصي، وأنني أريد فقط معرفة المزيد عن أعمال والدي. وأتمنى من كل قلبي أن يكون ما أشعر به مجرد خوف ابنة على أبيها، لا أكثر.
ثم رفعت رأسها نحو السماء وقالت مبتسمة:
ـ هيا أيها الصباح… تعال بسرعة. أيتها الشمس، أشرقي. يكفي نومًا أيتها الكسولة! إنني أنتظر الصباح بفارغ الصبر.
في مكان آخر، كانت الكابتن “ليلي” تستقبل صباحها بنشاط مختلف.
قالت وهي تتمطى:
ـ يا له من صباح جميل! سأذهب اليوم إلى صديقتي مدام “كاترين” لنتسوق معًا. لم أخرج للتسوق منذ زمن طويل.
ثم ابتسمت وأضافت:
ـ التسوق هواية تعشقها النساء، لكن هؤلاء الأشقياء لا يتركون لنا فرصة للراحة. لا أدري من الذي يخبر المجرمين بأننا في إجازة حتى يقرروا تنفيذ أعمالهم في غيابنا!
وبينما كانت ترتشف قهوتها، لفت انتباهها هاتفها المحمول.
ـ ما هذا؟ اتصال من صديقتي “منى” من عُمان!
ضحكت وقالت:
ـ مرحبًا… مرحبًا بأهل عُمان.
ثم نظرت إلى ساعتها واستغربت:
ـ الخامسة صباحًا فقط! ما الذي يدفع منى للاتصال في هذا الوقت المبكر؟
فكرت للحظة ثم قالت:
ـ لا يهم… أيًا كان الخبر، فإن اتصالها أسعدني كثيرًا.
لكن ليلي لم تكن تعلم أن هذا الاتصال سيكون بداية خيط جديد في القضية التي بدأت خيوطها تتشابك أكثر فأكثر…
يتبع









