بقلم أحمد علي بكري
كما أخذناكم في مقالنا بالأمس في رحلة استثنائية استعرضنا فيها كيف أثرت اللغة العربية في اللغات الأوروبية، فإننا اليوم نصحبكم في رحلة لا تقل عنها جمالًا وإبهارًا، ولكنها هذه المرة تمتد إلى موائد العالم، حيث نتتبع كيف صنعت الحضارة الإسلامية واحدة من أفخم ثقافات الطعام في التاريخ، وكيف تحولت السفرة العربية الملكية بما امتلكته من تنوع وذوق رفيع وابتكار علمي إلى المصدر الذي استلهمت منه مطابخ العالم الحديثة كثيرًا من أطباقها ومشروباتها وأساليب الطهي وآداب الضيافة. فما يعتقده كثيرون اليوم بأنه من رموز المطبخ الأوروبي أو الغربي الحديث، يحمل في كثير من تفاصيله جذورًا عربية وإسلامية ضاربة في عمق التاريخ، نشأت في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة وغرناطة وصقلية، ثم عبرت البحار لتصبح جزءًا من المائدة العالمية.
حين كانت معظم أنحاء أوروبا خلال العصور الوسطى تعيش ظروفًا غذائية قاسية تعتمد على الخبز الخشن واللحوم المالحة والماء أو الجعة باعتبارها المشروب الأساسي، كانت المدن الإسلامية الكبرى قد بلغت مرحلة مذهلة من التطور في علوم الغذاء والطهي، حتى أصبحت مطابخ القصور العباسية والفاطمية والأموية في الأندلس أشبه بمختبرات علمية متخصصة، يعمل فيها كبار الطهاة إلى جانب الأطباء والصيادلة، في محاولة مستمرة لتطوير النكهات وتحسين جودة الطعام وتحقيق التوازن بين اللذة والفائدة الصحية. ولم يكن إعداد الطعام مجرد مهنة، بل كان علمًا قائمًا بذاته، تُؤلف فيه الكتب، وتُجرى فيه التجارب، وتُستحدث فيه الأدوات، وتُبتكر فيه الوصفات التي انتقلت لاحقًا إلى مختلف شعوب الأرض.
ولعل أكثر قصة تجسد هذا التأثير العالمي تبدأ مع المشروب الذي لا يكاد يخلو منه صباح أي إنسان في العصر الحديث، وهو القهوة. فقبل أن تصبح المقاهي رمزًا للحياة الأوروبية، كانت القهوة قد ولدت في البيئة الإسلامية. بدأت الحكاية في اليمن، عندما استقبل المتصوفة ثمار البن القادمة من الهضبة الإثيوبية، وابتكروا لأول مرة طريقة تحميصها وطحنها وغليها لصناعة شراب يساعدهم على السهر للعبادة والذكر وقيام الليل. ومن اليمن انتقلت القهوة إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، ثم إلى القاهرة ودمشق وبغداد وإسطنبول، لتنشأ حولها ثقافة اجتماعية كاملة. وتشير كثير من المصادر التاريخية إلى أن مكة شهدت من أوائل المقاهي العامة في العالم الإسلامي، حيث كان الناس يجتمعون لتناول القهوة وتبادل الأخبار والنقاشات العلمية والأدبية. ولم يعرف الأوروبيون هذا المشروب إلا في القرن السادس عشر عن طريق التجار العرب والعثمانيين، حتى إن بعض أوائل المقاهي في أوروبا كانت تُعرف باسم “المشروب العربي”، بينما ظل لفظ “قهوة” قريبًا من أصله العربي في معظم لغات العالم، مثل Coffee وCafé وKaffee وCaffè.
لكن الإبداع الإسلامي لم يتوقف عند القهوة، بل امتد إلى عالم المشروبات الباردة في زمن لم تكن فيه الكهرباء أو الثلاجات قد عُرفت بعد. فقد ابتكر المسلمون وسائل مدهشة لتبريد المشروبات باستخدام الثلوج التي كانت تُجلب من قمم الجبال في لبنان وإيران والأناضول وتُخزن في منشآت خاصة معزولة تعرف بالمثالج أو بيوت الثلج. وكان الطهاة يخلطون هذه الثلوج بعصائر الفواكه الطبيعية وماء الورد وماء الزهر والعسل أو السكر والتوابل العطرية، لينتجوا شرابًا فاخرًا عرف باسم “الشربات”. ولم تكن كلمة شربات مجرد اسم لشراب، بل أصبحت أصلًا لغويًا انتقلت منه كلمات عالمية مثل Sherbet وSorbet وSorbetto، وهي المصطلحات التي لا تزال تستخدم حتى اليوم في الإنجليزية والفرنسية والإيطالية لوصف المشروبات والحلويات المثلجة. وكان تقديم الشربات في العصر العباسي والفاطمي من مظاهر الضيافة الملكية، حيث يقدم في أوانٍ زجاجية مصقولة أو كؤوس من البلور المنقوش وسط مراسم تعكس رقي الحضارة الإسلامية واهتمامها بأدق تفاصيل الضيافة.
وفي عالم السكر والحلويات، أحدث المسلمون ثورة حقيقية غيرت تاريخ الغذاء العالمي. فقبل انتشار السكر المكرر، كان العسل هو المُحلي الأساسي في معظم الحضارات. أما العلماء المسلمون فقد طوروا في القرن التاسع الميلادي تقنيات متقدمة لتكرير قصب السكر، معتمدين على عمليات الغلي والتصفية والترشيح والتبلور، حتى نجحوا في إنتاج السكر الأبيض النقي بصورة لم تعرفها الحضارات السابقة. ومن هذه الثورة الصناعية الغذائية وُلدت صناعة كاملة للحلويات الراقية، مثل المرزبان والنوجا والمشبك والزلابية والغريبة والمقروض والبقلاوة وغيرها من الأصناف التي أصبحت لاحقًا جزءًا من المطبخ الأوروبي. وقد أصيب الصليبيون بدهشة كبيرة عندما شاهدوا السكر الأبيض لأول مرة في بلاد الشام، ووصف بعضهم هذه المادة بأنها “ملح حلو”، لعدم معرفتهم بطبيعتها، ثم حملوها معهم إلى أوروبا، حيث بدأت زراعة السكر وصناعته تنتشر تدريجيًا.
وفي القصور العباسية والفاطمية ازدهرت صناعة الحلويات بصورة غير مسبوقة. فقد ظهرت المهلبية المنسوبة إلى القائد الأموي المهلب بن أبي صفرة، والتي أصبحت واحدة من أشهر الحلويات العربية حتى يومنا هذا. كما اشتهر الفالوذج، وهو حلوى فاخرة كانت تصنع من النشاء والسكر وماء الورد والزعفران والمكسرات، وتُقدم على موائد الخلفاء والأمراء في المناسبات الكبرى. أما الكنافة والقطايف، فقد وثقت المصادر التاريخية وجودهما على موائد الخلفاء الفاطميين خلال شهر رمضان قبل أكثر من ألف عام، حيث كانتا تعدان خصيصًا لإمداد الصائمين بالطاقة بعد الإفطار، قبل أن تنتشرا في بلاد الشام ومصر ثم إلى أنحاء واسعة من العالم.
ومن بين الأطباق التي يظن كثيرون أنها أوروبية خالصة، تبرز حلوى الأرز بالحليب، التي تنتشر اليوم من إسبانيا إلى فرنسا ومن تركيا إلى دول أمريكا اللاتينية. غير أن أقدم وصفة موثقة لهذا الطبق وردت في كتاب “الطبيخ” لمحمد بن الحسن البغدادي في القرن الثالث عشر، حيث كان يُطهى الأرز في الحليب مع السكر وماء الورد، ويزين بالفستق أو القرفة. وعندما انتقلت الوصفة إلى أوروبا أضيفت إليها الفانيليا أو جوزة الطيب، لكنها احتفظت بجوهرها العربي الإسلامي.
أما في عالم الوجبات الرئيسية، فقد ساهمت المطابخ الإسلامية في تطوير تقنيات الشواء بصورة غير مسبوقة. وتعد الشاورما إحدى أبرز هذه الابتكارات التي انطلقت من المطبخ العثماني، حيث طُورت فكرة شوي اللحم على سيخ عمودي يدور ببطء أمام النار، ما يسمح بتوزيع الحرارة بصورة متساوية والحفاظ على عصارة اللحم. وانتشرت هذه التقنية لاحقًا إلى أوروبا، لتتحول إلى الدونر كباب في ألمانيا وتركيا، ثم انتقلت مع المهاجرين اللبنانيين والسوريين إلى المكسيك، حيث اندمجت مع المطبخ المحلي وأنتجت طبق “تاكوس آل باستور” الشهير، الذي يعترف مؤرخو الطعام بأنه مستوحى مباشرة من الشاورما العربية.
ولم يقتصر الابتكار على الشواء، بل امتد إلى صناعة المثلجات. ففي العصر العباسي استُخدمت المثالج تحت الأرض لحفظ الثلوج طوال أشهر الصيف، وكان الطهاة يمزجون الثلج بالعصائر الطبيعية والسكر ليصنعوا حلوى مثلجة تعد من أوائل أشكال الآيس كريم في التاريخ. وعبر الأندلس وصقلية انتقلت هذه الفكرة إلى إيطاليا، حيث تطورت لاحقًا إلى الجيلاتو الإيطالي، الذي أصبح بدوره أساس صناعة الآيس كريم الحديثة المنتشرة في العالم كله.
كما كانت الحضارة الإسلامية رائدة في استخدام التوابل بصورة علمية ومدروسة. فقد جمعت طرق التجارة الإسلامية بين الهند والصين واليمن وشرق إفريقيا وبلاد الشام، ما أتاح للطهاة استخدام القرفة والهيل والقرنفل وجوزة الطيب والزنجبيل والزعفران والفلفل الأسود والكركم بمهارة فائقة، ليس فقط لإضفاء النكهة، بل أيضًا لفوائدها الطبية وقدرتها على حفظ الأغذية. وقد انتقلت هذه الثقافة لاحقًا إلى أوروبا، وكانت الرغبة في الوصول إلى مصادر هذه التوابل من أهم الأسباب التي دفعت الأوروبيين إلى عصر الكشوف الجغرافية.
ومن الإنجازات التي قلما يلتفت إليها الناس اليوم، أن المسلمين كانوا من أوائل من وضعوا قواعد متكاملة لآداب المائدة. فقد انتشرت ثقافة غسل اليدين قبل الطعام وبعده، واستخدام المناشف المعطرة، وترتيب الأطباق وفق تسلسل معين يبدأ بالمقبلات ثم الأطباق الرئيسة ثم الحلويات، إلى جانب الاهتمام بتناسق الألوان وروائح الطعام وشكل التقديم. كما انتشرت صناعة الأواني الزجاجية والخزفية المزخرفة، وتحولت الموائد الملكية إلى لوحات فنية تجمع بين الذوق والجمال والهندسة.
ولأن الطعام في الحضارة الإسلامية لم يكن مجرد وسيلة للشبع، فقد ارتبط بالطب ارتباطًا وثيقًا. فقد أفرد العالم الطبيب ابن سينا في كتابه الشهير “القانون في الطب” فصولًا كاملة تناول فيها تأثير الأغذية في صحة الإنسان، وشرح خصائص اللحوم والحبوب والخضروات والفواكه والألبان، وربط بينها وبين الوقاية من الأمراض. كما قدم الرازي تصنيفات دقيقة للحميات الغذائية، موضحًا كيفية اختيار الطعام المناسب بحسب العمر والحالة الصحية والمناخ، وهو ما يسبق علم التغذية الحديث بعدة قرون.
ولم تكن كتب الطبخ الإسلامية مجرد دفاتر وصفات، بل كانت موسوعات حضارية متكاملة. فقد وثقت أنواع الأطعمة وطرق إعدادها وأساليب تقديمها، وسجلت أسماء مئات الوصفات التي ما زال كثير منها حاضرًا بأسماء مختلفة في مطابخ العالم. ويكفي أن نطالع كتبًا مثل “كتاب الطبيخ” للبغدادي أو مؤلفات الطهاة الأندلسيين لندرك أن كثيرًا من الوصفات العالمية الحالية ليست إلا تطويرًا لوصفات عربية وإسلامية عمرها مئات السنين.
واليوم، عندما يحتسي ملايين البشر قهوتهم صباحًا، أو يتناولون الآيس كريم في الصيف، أو يتذوقون الشاورما أو الدونر أو الجيلاتو أو الأرز بالحليب أو الشربات أو عشرات أصناف الحلويات الشرقية والغربية، فإنهم في الحقيقة يعيشون امتدادًا لتراث غذائي صنعته الحضارة الإسلامية عبر قرون من البحث والتجريب والإبداع. لقد كانت مطابخ بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة وغرناطة مدارس عالمية حقيقية في فن الطهي، ومختبرات سبقت عصرها في فهم الغذاء والتغذية وفنون الضيافة.
إن الحضارة الإسلامية لم تترك للعالم مساجد شامخة، ومكتبات عامرة، وإنجازات علمية وهندسية فحسب، بل تركت أيضًا إرثًا حيًا يتكرر كل يوم على موائد مليارات البشر. ففي كل فنجان قهوة، وفي كل ملعقة من حلوى الأرز بالحليب، وفي كل قطعة شاورما، وفي كل كأس شربات بارد، يختبئ فصل من فصول عبقرية الإنسان المسلم الذي لم يكن يصنع الطعام لإشباع الجوع فقط، بل كان يصنع ثقافة، ويؤسس علمًا، ويبني حضارة لا تزال آثارها تنبض بالحياة حتى يومنا هذا.






