رأسُ الفتنة.. حين يتكلم الشرّ باسم الحكمة

 

الإعلامي: عادل بن محمد البكري

جازان – صحيفة صدى نيوز إس

في بعض اللحظات، لا تأتي الفتنة صاخبة كما نتوقع، ولا تدخل من باب الفوضى العلنية، بل تتسلل بهدوءٍ مُتقن، مرتديةً ثوب الحكمة، وناطقةً بلغة العقل، بينما تخفي في داخلها نوايا لزعزعة الاستقرار وإثارة الفوضى.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ رأس الفتنة؛ ذلك العقل الذي لا يكتفي بإشعال الخلاف، بل يُحسن ترتيبه وتغليفه وتقديمه على أنه «رأيٌ ناضج».

رأس الفتنة لا يرفع صوته دائمًا، بل قد يكون الأكثر هدوءًا والأكثر اتزانًا في خطابه، لكنه في العمق يحرّك الخيوط بحسابٍ دقيق، ويزرع الشك في أماكن تبدو مستقرة.

وخطورته لا تكمن في ما يقوله فحسب، بل في الطريقة التي يجعل بها الآخرين يتحركون وفق ما يريد دون أن يشعروا.

ويُتقن هذا النموذج من الشخصيات لعبة «إعادة التفسير»، فيحوّل الموقف البسيط إلى أزمة، والكلمة العابرة إلى إهانة، والاختلاف الطبيعي إلى صراع وجود.

ومع مرور الوقت، لا يعود الناس يرون الواقع كما هو، بل كما أعاد هو تشكيله وصياغته بهدوءٍ شديد.

والأخطر أن رأس الفتنة لا يظهر دائمًا كخصم مباشر، بل قد يتقدم في هيئة الناصح، أو الوسيط، أو حتى المدافع عن الهدوء والاستقرار، لكنه في لحظة ما يعيد ترتيب المشهد بحيث تبدو الأمور وكأنها تتحرك من تلقاء نفسها نحو الصدام.

وفي الحالة الفردية، يبدأ أثره غالبًا من فكرة واحدة:

«أنا أفهم ما لا يفهمه غيري».

ومن هنا تتضخم الذات، ويبدأ معها تبرير التدخل، ثم صناعة الروايات، ثم إعادة تشكيل الحقائق بما يخدم رؤيةً واحدةً يراها الأصدق والأجدر بالتصديق.

ولا يتوقف عند هذا الحد، بل يتجاوز ذلك إلى التحريض الهادئ وإشعال العداوة بين الأطراف؛ فيزرع الكلمات في أماكن حساسة، وينقل العبارات بصورةٍ مشوهة، ويضخم المواقف الصغيرة حتى تتحول إلى خصومات كبيرة.

ومع الوقت، تصبح العلاقات ميدانًا للتوتر المستمر بدلًا من أن تكون مساحةً للتفاهم.

ولأن الفتنة لا تعيش إلا في بيئة قابلة للاشتعال، فإنها تجد في سوء الظن، وضعف التثبت، والاندفاع العاطفي أرضًا خصبة للنمو. وعندها يصبح رأس الفتنة مجرد شرارة أولى، بينما يكمل الآخرون إشعال الحريق دون وعي، وفق خطةٍ رسمها بدهاءٍ ومكر.

إن أخطر ما في هذا النموذج ليس قدرته على الإقناع، بل قدرته على جعل الباطل يبدو منطقيًا. فهو لا يطلب من الناس أن يصدقوه مباشرة، بل يقودهم خطوةً خطوةً حتى يصلوا إلى النتيجة التي أرادها منذ البداية.

وفي الختام:

لا تُقاس الفتنة بحجم الصوت الذي تُحدثه، بل بعمق الأثر الذي تتركه في العقول والقلوب.

أما رأس الفتنة الحقيقي، فهو ذلك الذي يعرف كيف يتكلم باسم الحكمة، بينما يمارس الشر بأدوات العقل المتحكم واللسان الهادئ، فيوهم الناس بالإصلاح، وهو في الحقيقة يغرس بذور الانقسام، ويُشعل نار العداوة والتحريض من حيث يظنون أنه يدعو إلى السلام.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

احترام الخصوصية لغةٌ راقية من لغات الحب

عبد الله شراحيلي العارضة – صحيفة صدى نيوز اس إذا أردت أن تحافظ على شخصٍ تحبه، فلا تجعل محبتك قيدًا يضيّق عليه أنفاسه، ولا مراقبةً تُثقل روحه. اترك له مساحته الخاصة التي يلجأ إليها حين يريد أن يتأمل، أو يفكر، أو يرتب فوضى مشاعره بعيدًا عن ضجيج العالم. فالخصوصية ليست بُعدًا ولا جفاءً، بل حقٌّ إنساني يحتاجه كل قلبٍ ليبقى متوازنًا ومطمئنًا. ومن يحب بصدق لا…

فخامة المائدة الإسلامية: كيف صنع طهاة بغداد والأندلس أطباق العالم اليوم؟

  بقلم أحمد علي بكري كما أخذناكم في مقالنا بالأمس في رحلة استثنائية استعرضنا فيها كيف أثرت اللغة العربية في اللغات الأوروبية، فإننا اليوم نصحبكم في رحلة لا تقل عنها جمالًا وإبهارًا، ولكنها هذه المرة تمتد إلى موائد العالم، حيث نتتبع كيف صنعت الحضارة الإسلامية واحدة من أفخم ثقافات الطعام في التاريخ، وكيف تحولت السفرة العربية الملكية بما امتلكته من تنوع وذوق رفيع وابتكار علمي إلى…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

رأسُ الفتنة.. حين يتكلم الشرّ باسم الحكمة

رأسُ الفتنة.. حين يتكلم الشرّ باسم الحكمة

احترام الخصوصية لغةٌ راقية من لغات الحب

احترام الخصوصية لغةٌ راقية من لغات الحب

فخامة المائدة الإسلامية: كيف صنع طهاة بغداد والأندلس أطباق العالم اليوم؟

فخامة المائدة الإسلامية: كيف صنع طهاة بغداد والأندلس أطباق العالم اليوم؟

كولومبيا تتغلب على الكونغو بهدف وتتأهل  لدور 32 

كولومبيا تتغلب على الكونغو بهدف وتتأهل   لدور 32 

صدور الثقة الملكية الكريمة بترقية مدير عام تعليم منطقة مكة المكرمة للمرتبة الخامسة عشرة.

صدور الثقة الملكية الكريمة بترقية مدير عام تعليم منطقة مكة المكرمة للمرتبة الخامسة عشرة.

منتخب العنابي منتخب   قطر في مهمة صعبة مساء اليوم الأربعاء أمام منتخب البوسنة 

منتخب العنابي منتخب    قطر في مهمة صعبة مساء اليوم الأربعاء أمام منتخب البوسنة 

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode