بقلم الدكتور
خالد عمر محمد العمودى :جدة:-
في فضاء منصات التواصل الاجتماعي ومجموعاتها التي ملأت حياتنا، كنتُ وما زلتُ موقناً بأن العبرة في التواصل هي بـ “الأثر والعمق” لا بكثرة الضجيج. غير أن الواقع اليوم يكشف لنا عن ظاهرة تدعو للتأمل؛ إذ تحول التفاعل عند البعض إلى مجرد آلية ميكانيكية قوامها “النسخ واللصق”، دون وعي بالمضمون أو تمعن في الكلمات، وكأننا نؤكد بأيدينا على تلك التهمة المحزنة بأننا “أمة لا تقرأ”.
إن المرء ليعجب حين يرى من يبادر بالإرسال فور وصول الرسالة، فتتحرك أنامله لتتم العملية اليومية الرتيبة، وكأنه يسعى لإشعارك بمتابعته وهو في الحقيقة غائب بفكره وعقله. ليس المرء مجبراً على الرد فوراً، فالانتظار سويعات بوعي خيرٌ من استعجالٍ يفرغ الكلمة من معناها. والأشد مفارقة، أن تجد من يمضي ساعات يومه متنقلاً بين المجموعات يسكب الرسائل سكباً، كأنه موعود بجوائز سنوية على عدد ما يرسل، بينما هو لا يدرك أحياناً صحة ما نقل أو مدى واقعيته.
وعلى الرغم من ميزتهم اللطيفة في إلقاء السلام مع كل رسالة منقولة، إلا أنك إن بادرتهم بتحية خاصة أو سألتهم عن محتوى ما أرسلوا، وجد الصمت سيد الموقف، وكأن لسان حالهم يقول: “مع نفسك!” > إن وسائل التواصل لم تُوجَد لتكون ساحات لعدّاد الرسائل الجافة، بل أُسِّست لتفتح الآفاق، وتُثري العقول، وتبادل المعلومات والآراء بروح رياضية راقية تستفيد من الرأي الآخر.
وفي مقابل هذا النمط السطحي، تبرز فئة مميزة من المتابعين يملؤون القلب بهجة؛ هؤلاء الذين يقرؤون بتمعن، ويتفاعلون برقي، ويجودون بتعليقات تثلج الصدر وتدفع بالكاتب نحو الأفضل. هؤلاء هم جوهر التواصل الحقيقي، فلأقل تفاعل واعي منهم إيجابيات ومكاسب لا تنتهي.
خاتمة
الكلمة أمانة،
والقراءة وعي، والتواصل الإنساني يكمن في الروح لا في الآلة. فما أجمل أن نمنح عقولنا دقيقة للتأمل فيما نرسل، وأن نثبت عملياً أننا أمة تقرأ، وتفهم، وتتذوق الجمال، لنعيد لمنصاتنا قيمتها كجسر للارتقاء الفكري والترابط الوجداني، بدلاً من أن نغرق في سيل من منقولٍ لا روح فيه ولا حياة.






