مشعل الثبيتي – متابعات
تمكنت الباحثة المتميزة الأستاذة عهود عويد تركي آل دشنة من كتابة اسمها بأحرف من نور في سجل المتفوقين، وسط أروقة جامعة الملك سعود العريقة، صرح العلم الشامخ الذي يضج بالعقول النيرة والكوادر الوطنية الطموحة، وضمن فضاءات كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية التي طالما كانت منارة للفكر والبحث، بعد أن حصلت على درجة الدكتوراه بتقدير “ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى”، في تتويج أكاديمي يليق بمسيرتها الحافلة بالعطاء والاجتهاد.
هذا الإنجاز الوطني والعلمي الكبير لم يأتِ وليد الصدفة، بل هو ثمرة سنوات من البحث الدؤوب، والتنقيب في أغوار الدراسات الاجتماعية والنفسية، لتقدّم الباحثة لجامعتها ووطنها وللمدينة التي تحتضنها “الطائف” نموذجاً مشرفاً في الربط بين الأكاديميا والواقع المجتمعي الإنساني.
رسالة دكتوراه تعالج جراح المجتمع بصياغة علمية
جاءت رسالة الدكتوراه التي نالت عنها “آل دشنة” هذا التقدير الرفيع تحت عنوان شامل ومؤثر:
“فاعلية برنامج ماتريكس للتأهيل والعلاج من الإدمان: دراسة شبه تجريبية في مركز رشد للتأهيل والعلاج من الإدمان بمحافظة الطائف”.
ولم تختر الباحثة هذا الموضوع اعتباطاً، بل أدركت بحسها الأكاديمي العميق أن قضية الإدمان باتت تمثل أحد التحديات الصحية والنفسية التي تستوجب تدخلاً علمياً رصيناً، وتطبيقاً لبرامج علاجية مثبتة الجدوى عالمياً، وهو ما دفعها للخوض في تجربة “برنامج ماتريكس” الذي يُعَدّ من أبرز النماذج العلاجية السلوكية المعرفية المعترف بها دولياً في مجال التعافي من الإدمان والوقاية من الانتكاسة.
أبعاد متكاملة ونموذج بحثي محكم
استهدفت الدراسة التي أعدتها الباحثة – بإشراف نخبة من الأساتذة المختصين – الوقوف على مدى فاعلية هذا البرنامج في التأثير الإيجابي على أربعة محاور جوهرية تمثل عصب حياة المتعافي، وهي:
البعد الإدماني: ومدى قدرة البرنامج على تقليص حدة الإدمان والسيطرة على الرغبات الملحة.
البعد الصحي: وما يتركه البرنامج من أثر ملموس على الجسد والنفس الجسدية.
البعد الاجتماعي: وقدرة البرنامج على إعادة دمج الفرد في نسيج أسرته ومجتمعه.
البعد النفسي: وما يقدمه من دعم للصحة العقلية، وتعديل للمشاعر السلبية المرافقة للحالة الإدمانية.
ولضمان دقة النتائج وموضوعيتها، اعتمدت الباحثة المنهج شبه التجريبي بتصميم “القياس القبلي والبعدي” على عينة بحثية متكاملة ضمت ستين مستفيداً (60) من مرتادي المركز، وطبقت عليهم “مقياس شدة الإدمان ASI”، وهو مقياس عالمي معتمد يُستخدم في تقييم حالة المتعافين على مستويات متعددة، الأمر الذي منح الدراسة ثقلها المنهجي والمصداقية العلمية.
نتائج إحصائية تدحض الشكوك وتؤكد النجاح
وبعد عملية التحليل الإحصائي الدقيق والمعمق، أسفرت نتائج الدراسة عن اكتشاف علمي غاية في الأهمية، تمثل في وجود فروق ذات دلالة إحصائية واضحة، حيث سجل التطبيق البعدي انخفاضاً ملحوظاً في المتوسط الحسابي لمؤشرات الإدمان مقارنة بالتطبيق القبلي، مما يُثبت – بما لا يدع مجالاً للشك – أن “برنامج ماتريكس” ليس مجرد نظريات تُقرأ في الكتب، بل هو منهج علاجي وتأهيلي حيوي وفعّال، قادر على إحداث تحول جذري في حياة المستفيدين، وتحصينهم ضد عوامل الانتكاسة، ودعمهم نفسياً واجتماعياً للعودة إلى الحياة الطبيعية بقوة وثقة.
لجنة مناقشة على مستوى عالٍ من المكانة العلمية
ونُوقشت هذه الرسالة الموسومة بالتميز أمام لجنة علمية رفيعة المستوى، جمعت نخبة من الأكاديميين البارزين الذين يمتلكون ثقلاً كبيراً في مجالات الإرشاد النفسي والخدمة الاجتماعية، وهم على النحو التالي:
الدكتورة لانا بن حسن بن سعيد – والتي تولت مهمة الإشراف على الرسالة، كما قامت بدور المقرر، وكان لها الأثر الأكبر في توجيه الباحثة وصقل أدواتها البحثية.
الأستاذ الدكتور نشمي بن حسين العنزي – الذي حضر كمناقش خارجي، ليضفي على الجلسة نقاشاً ثرياً من منظور أكاديمي مختلف.
الأستاذة الدكتورة أسماء بنت محمد البنيان – عضوة في اللجنة، ساهمت بملاحظاتها القيمة حول الأطر النظرية للدراسة.
الدكتور حميد بن خليل الشايجي – عضواً، وقد أثرى المناقشة بمداخلاته حول الجانب التطبيقي للبرنامج.
الدكتورة مرضيه بنت محمد البرديسي – عضواً، كانت لها وقفات مهمة حول الجانب النفسي والاجتماعي في الدراسة.
وقد شهدت جلسة المناقشة حواراً علمياً عميقاً، أظهرت فيه الباحثة “آل دشنة” قدرة فائقة على الدفاع عن رسالتها، وفهماً ثاقباً لمفردات البحث، حتى نالت استحسان وإعجاب جميع أعضاء اللجنة، ليُكلل ذلك بقرار منحها الدرجة بأعلى تقدير.
مركز “رشد” بالطائف.. شريك أساسي في نجاح التجربة
لا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز دون التوقف عند الدور المحوري الذي لعبه مركز رشد للتأهيل والعلاج من الإدمان بمحافظة الطائف، الذي احتضن هذه التجربة التطبيقية الطموحة، ووفّر للباحثة الأرضية الخصبة والبيئة الآمنة لتطبيق برنامج “ماتريكس” على المستفيدين.
وقد حظيت الباحثة بدعم استثنائي وغير محدود من قبل مدير المركز الأستاذ عبدالغني بن عباس روزي، الذي آمن بأهمية هذا البحث منذ اللحظة الأولى، وسخّر جميع إمكانيات المركز لتذليل الصعوبات التي واجهت الدراسة، إيماناً منه بأن التطوير الحقيقي للخدمات العلاجية لا يتحقق إلا بالاعتماد على الدراسات العلمية الجادة والتجارب الميدانية المحكمة. ولم يكن هذا الدعم مجرد تسهيل إداري، بل كان شراكة حقيقية رسخت مفهوم التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والمراكز العلاجية.
خاتمة وإضاءة على المستقبل
إن حصول “عهود آل دشنة” على شهادة الدكتوراه بهذا المستوى المشرف، يمثل إضافة نوعية للمشهد الأكاديمي في المملكة، وخصوصاً في مجال الدراسات الاجتماعية التي تمس حياة الفرد والمجتمع في أعمق نقاطها. كما أن هذه الرسالة تفتح الباب أمام تطوير سياسات علاجية جديدة في مراكز التأهيل بالمملكة، وتدعو إلى مزيد من الاستثمار في مثل هذه البرامج التي أثبتت نجاحها علمياً، وتحديداً في ظل رؤية المملكة 2030 التي تولي عناية خاصة بالصحة النفسية والرفاه الاجتماعي.
تهانينا للباحثة المبدعة، وتهانينا لجامعة الملك سعود بهذا الثمرة العلمية، وتهانينا لمحافظة الطائف بهذه الكوكبة المضيئة من العلماء والباحثين. نسأل الله أن يكون هذا العمل خطوة مباركة في طريق التعافي لكثير من المحتاجين، وأن يظل العلم هو البوصلة التي ننير بها دروب مجتمعنا.









