بقلم: الإعلامي خضران الزهراني
تتكرر بين الحين والآخر دعوات تطالب برفع أسعار بعض السلع الأساسية بحجة أن ذلك سيدفع الناس إلى ترشيد الاستهلاك والحد من الإسراف. ورغم أن الهدف المعلن قد يبدو إيجابيًا، إلا أن الوسيلة المقترحة تستحق التوقف عندها؛ لأن آثارها لا تقتصر على فئة بعينها، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله.
إن أسطوانة الغاز ليست سلعة كمالية، بل هي من الاحتياجات الأساسية التي تعتمد عليها آلاف الأسر يوميًا. وأي زيادة في سعرها قد تنعكس على تكاليف الإنتاج والتشغيل والنقل، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار العديد من السلع والخدمات، لتصبح كلفة المعيشة أعلى على الجميع، وخاصة أصحاب الدخل المحدود.
ولا يختلف اثنان على أن الإسراف والتباهي والمبالغة في الولائم والمناسبات ظواهر تستحق المعالجة، فقد نهى ديننا الحنيف عن التبذير، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، كما أن هدر الطعام والتفاخر بالمظاهر لا يعكسان حقيقة الكرم، بل يناقضان قيم الاعتدال التي حث عليها الإسلام.
لكن معالجة هذه الظواهر لا تكون بزيادة أسعار السلع الأساسية، وإنما بنشر الوعي، وتعزيز ثقافة المسؤولية، وتشجيع الاستهلاك الرشيد، والحد من الهدر الغذائي، وتوجيه الإنفاق إلى ما يعود بالنفع على الأسرة والمجتمع.
فالكرم لا يُقاس بكثرة الذبائح، ولا بحجم الولائم، ولا بعدد الصور المنشورة في وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما يُقاس بالإخلاص، وحسن الضيافة، والاعتدال، واحترام النعمة. كما أن ترشيد الإنفاق لا يعني البخل، بل هو حسن إدارة للمال وتحقيق للتوازن بين الحقوق والواجبات.
إن الوطن يحتاج إلى مواطن واعٍ يدرك أن المحافظة على الموارد تبدأ من سلوكه اليومي، وأن دعم الاقتصاد لا يكون بإرهاق المواطنين بارتفاع الأسعار، وإنما بتعزيز الوعي، ومحاربة الهدر، وترسيخ ثقافة الاعتدال في كل جوانب الحياة.
وفي الختام، فإن إصلاح السلوك المجتمعي مسؤولية مشتركة، تبدأ من الفرد والأسرة، وتدعمها المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية. أما رفع أسعار السلع الأساسية، فهو ليس علاجًا للإسراف، بل قد يفتح الباب لارتفاعات متتالية تمس الجميع. ويبقى الوعي هو الاستثمار الحقيقي الذي يحقق المصلحة للوطن والمواطن، ويحفظ النعمة، ويصنع مجتمعًا أكثر توازنًا واستدامة.








