مزنة بنت سعيد البلوشية
كاتبة عُمانية
ما زلتُ أسير، والخطواتُ وإن أثقلتها وعورةُ الطريق، لا تعرف التوقف. أمضي وكأنني أقتفي أثرًا في ذاكرة الأرض، تلك الأرض التي نشأتُ في أكنافها؛ عُمانيّةُ الانتماء، يتدفق في عروقي عزمُ الجبال، وأحمل في ملامحي سكونَ الأصالة التي لا تغادرني وإن غادرتُ المكان.
أقف اليوم عند نافذتي، تلك التي لا تطل على الجدران، بل على مساحاتٍ شاسعة من التحدي. أرى العالم من حولي وقد لفَّه ضبابٌ كثيف، ضبابٌ يغلف الملامح ويخفي المسارات، كأن الحياة تتعمد اختبار صبر البصيرة قبل قوة الساق. يهمس لي هذا الضباب بالركون، ويغري روحي بالسكينة الهادئة خلف زجاج العزلة، لكنني أبتسم؛ لأنني أدرك أن الضباب ليس جدارًا، بل هو مجرد رداءٍ مؤقتٍ للكون، يختبر مدى تمسكنا بالوضوح الذي نسكنه في دواخلنا.
ففي أعماق صدري، ثمة نورٌ لا يعرف الخبو. هو ليس مجرد أملٍ عابر، بل هو شعلةٌ قديمة، تتغذى على طموحٍ لا يكل، وتتنفس من إصرار تلك الفتاة التي ترفض أن تعيش حياةً بلا أثر. هذا النور هو بوصلتي؛ حين يشتد الضباب، لا أنظر إلى الخارج، بل أغمض عيني قليلًا لأرى الطريق بوضوحٍ أكبر بقلبي.
أنا الآن في منتصف الرحلة، لا الضباب سيحجب وجهتي، ولا المسافة ستنقص من عزيمتي. سأستمر في السير، ليس لأن الطريق واضحٌ دائمًا، بل لأنني قررت أن أكون أنا الضوء الذي يشق هذا الضباب، لأصل؛ لا ليُقال إنني وصلت، بل لأدرك ما خلف هذه الغمامة من مساحاتٍ أوسع، وسماءٍ أكثر نقاءً.
فليشتد الضباب، وليطل المسير.. ففي قلبي شمسٌ لم تشرق بعد، وفي خطاي وعدٌ لن أخلفه مع نفسي.






