بقلم / المهندس محمد توفيق صعابنة
عندما تلتقط الفنانة سهام منصور ريشتها وتجلس في محراب فنها تبدأ بالخطوط الاولى في رسم مدينتها الاقرب الى قلبها والتي تقريبا لا تفارق لوحاتها التي تكون في اعمالها ليست ، موضوعًا للرسم فقط بل انها بقدرتها الفنية تتحول الى موضوع للتأمل ، فمنذ اللوحة الأولى يبدو واضحًا أن الفنانة لا تتعامل مع العمارة القديمة بوصفها تراثًا بصريًا يستحق التوثيق ، ولا بوصفها مشهدًا جماليًا يثير الحنين ، بل بوصفها كائنًا حيًا يحمل ذاكرة الإنسان وآثار الزمن في تشكيلاته الانية والسابقة ، ولذلك لاترسم المكان كما يظهر للعين بل كما يستقر في الوجدان وكما ينغرس بالقلب كأنة طيف حاضر بعد أن يغادره الناس وتبقى أرواحهم عالقة وظلالهم في جدرانها وأزقتها وأبوابها ، هذه الرؤية هي التي تمنح التجربة خصوصيتها فالفنانة لا تبحث عن المبنى في اكتماله الهندسي ، وإنما عن أثر الحياة فية الذي تركته السنوات على سطحه وبصمات العابرين وارواحهم إن اهتمامها موجّه إلى ما فعلته الأيام بالحجر أكثر من اهتمامها بالحجر نفسه وإلى العلاقة بين الإنسان والمكان أكثر من اهتمامها بالحدث الذي جرى فيه لذلك تتحول المدينة في لوحاتها من فضاء عمراني إلى ذاكرة بصرية تتجاوز حدود المكان المحدد لتلامس تجربة إنسانية أوسع .
وينعكس هذا التصور بوضوح في بناء لوحاتها فالعمارة ليست خلفية تتحرك أمامها الشخصيات ، بل هي البطل الحقيقي للمشهد ، الأقواس والرواشين والأبواب والممرات الضيقة والسلالم الحجرية كلها تتكرر بوصفها مفردات تشكل قاموس الفنانة البصري غير أن هذا التكرار لا يبدو الهدف منه زخرفيًا لأنه لا يسعى إلى إعادة إنتاج العناصر التراثية ، بل إلى إعادة اكتشاف ما تختزنه من معانٍ فالباب يصبح علامة على العبور والقوس نقطة انتقال بين فضاءين والجدار سجلًا يحمل آثار الزمن أكثر مما يحمل آثار البناء ، ولعل أكثر ما يميز هذه الأعمال هو أن الفنانة لا تنظر إلى العمارة بعين مهندس عمارة ، بل بعين من عاش المكان واحبة وعشق واختبر حضوره الغارق حد الثمالة في الذاكرة لذلك تبدو المباني وكأنها تحتفظ ببصمتها الداخلية وروحها الدافئة لا بوصفها أطلالًا او اكوام من الحجارة العتيقة وإنما بوصفها كائنات ما تزال قادرة على رواية حكاياتها إننا لا نشاهد مدينة جامدة بل نشعر أننا أمام ذاكرة ما تزال تنبض بالحياة وريشتها التي تتحرك بطيئة كما الحياة في الجدران والبوابات كاننا نعيش فيها كما تعيش فينا
ويأتي الضوء ليؤكد هذه الرؤية فهو لا يؤدي دورًا وصفيًا ولا يسعى إلى كشف تفاصيل المكان كاملة بل يتحرك بحذر داخل التكوين يلامس حافة باب أو ينزلق فوق جدار أو يتسلل إلى نهاية ممر ثم يترك الظلال تكمل ما لم يقله وهنا يتحول الضوء إلى عنصر تعبيري يوجه إحساس المتلقي أكثر مما يوجه نظره فيمنح الأعمال ذلك الهدوء التأملي الذي يميزها.
أما اللون فينتمي إلى البيئة التي تستلهمها الفنانة درجات البني والرمادي والأسود والأبيض المائل إلى التراب لا تبدو اختيارًا جماليًا مجردًا بل امتدادًا للمادة نفسها وكأن الفنانة سهام منصور بعملها هذا تريد للون أن ينمو من الجدار لا أن يكسوه وبين هذه المنظومة الهادئة تظهر ومضات محدودة من الأزرق أو الفيروزي أو البرتقالي لا لتكسر الصمت وإنما لتعيد إليه إيقاعه وتؤكد أن الحياة ما تزال كامنة في المكان مهما أثقلتها السنوات.
وتكشف معالجتها للسطوح عن وعي تقني واضح فالطبقات اللونية والخدوش وآثار الفرشاة والخامات المتراكمة لا تستخدم لإظهار المهارة وحدها بل لتأكيد فكرة الزمن بوصفه جزءًا من بنية العمل ولهذا لا تبدو اللوحة صورة لجدار قديم فقط بل تبدو هي نفسها جدارًا يحمل آثار العمر فوق سطحه إنها معالجة تجعل الملمس عنصرًا تعبيريًا يوازي أهمية اللون والتكوين
والإنسان في لوحات الفنانة سهام منصور لا يحتل مركز اللوحة بل يمر خلالها مرورًا هادئًا يظهر صغيرًا عند مدخل أو عابرًا في زقاق أو متواريًا تحت قوس هذا الحضور المحدود ليس غيابًا للدور الإنساني بل هو جزء من رؤية الفنانة فالمدينة عندها أكبر من الفرد وأبقى من الإنسان الذي يترك أثره ويرحل أما المكان فيظل يحمل ذاكرته ومن هنا تنشأ تلك العلاقة المتوازنة بين الكتلة المعمارية والشخصية الإنسانية حيث لا يطغى أحدهما على الآخر.
وتبلغ هذه الرؤية أكثر لحظاتها اكتمالًا في اللوحات التي تتناول البوابات الكبيرة أو الممرات الداخلية أو الأسواق الشعبية ففي هذه الأعمال تحقق الفنانة توازنًا لافتًا بين الكتلة والفراغ وبين الضوء والظل وبين الصمت والحركة لا يعتمد على ازدحام التفاصيل لإقناع المتلقي بثراء المكان بل يجعل كل عنصر يؤدي وظيفة محددة داخل البناء العام بحيث يخدم الإيقاع الكلي للعمل دون أن يفقد استقلاله
ومن الناحية التشكيلية تكشف الأعمال عن إدراك واضح للعلاقات البنائية داخل اللوحة فالخطوط الرأسية للأبنية وتعاقب الأقواس وتدرج الكتل وتوزيع الفراغات كلها تسهم في خلق حركة بصرية تقود عين المشاهد من عنصر إلى آخر دون افتعال او ارتباك كما أن المنظور رغم حضوره الواضح لا يتحول إلى استعراض تقني بل يبقى خاضعًا للفكرة التي تقود التجربة كلها
ولا تكمن قيمة هذه المجموعة في استدعاء التراث وحده بل في الطريقة التي تعيد بها الفنانة قراءتها فهي لا تقدم المدينة القديمة واعني هنا جدة التاريخية التي اعتقد ان الفنانة كانت تقصد حياتها اليومية في لوحاتها بتسجيلها على شغاف الروح والقلب بحميمية قلما نشاهدها في لوحة فنية باعتبارها صورة من الماضي فهي لا تتعامل معها بوصفها موضوعًا للحنين بل باعتبارها حاملةً لذاكرة ثقافية وإنسانية ما تزال قادرة على إنتاج المعنى ومن هنا تتجاوز الأعمال حدود التوثيق لتصبح تأملًا في العلاقة بين المكان والزمن وبين الإنسان وما يتركه خلفه وفي تقديري تكمن قوة هذه التجربة في أنها تنطلق من رؤية واضحة ومتسقة فالفنانة تعرف جيدًا ما الذي تبحث عنه وتعرف أيضًا اللغة البصرية التي تستطيع من خلالها التعبير عن هذا البحث ولذلك تبدو أعمالها متماسكة في موضوعها وفي مفرداتها وفي معالجتها التقنية من غير أن تقع في فخ النقل المباشر أو الاستعراض الشكلي
إن هذه اللوحات لا تطلب من المتلقي أن يتأمل جمال المدينة القديمة بأحيائها وحاراتها وازقتها فحسب بل تدعوه إلى إعادة التفكير في معنى المكان نفسه فهي تذكرنا بأن المدن لا تُبنى بالحجارة وحدها وإنما بما يترسب فيها من حياة وذاكرة وتجارب وحين ينجح الفن في تحويل هذا الإحساس إلى لغة بصرية يصبح المكان أكثر من مشهد ويصبح الزمن أكثر من تاريخ وتغدو اللوحة مساحةً يلتقي فيها الواقع بما يبقى منه في الوجدان.









