بقلم / عبد الله شراحيلي
ما ضاقت الأرض يومًا بأهلها، ولكنها تضيق في أعين من انطفأت في قلوبهم شعلة الحلم. فالإنسان لا يقيس الدنيا بمساحتها، وإنما يقيسها بمقدار ما يحمل في صدره من أمل، وما يختزنه في روحه من طموح. فمن عاش بلا حلم، عاش أسير يومه، يدور في دائرةٍ لا تكاد تتجاوز خطواته، أما من أطلق لروحه عنان الرجاء، رأى في كل أفقٍ بابًا، وفي كل طريقٍ بداية، وفي كل عثرةٍ درسًا يقوده إلى غايةٍ أسمى.
إن الأحلام ليست أوهامًا ينسجها الخيال، بل هي البذور الأولى لكل إنجاز. وما من حضارةٍ شُيِّدت، ولا علمٍ ازدهر، ولا نجاحٍ سُطِّر في صفحات التاريخ، إلا وكان في أصله حلمًا سكن قلب إنسان، ثم سقاه بالإيمان، وغذّاه بالصبر، حتى صار حقيقةً يراها الناس رأي العين.
وليس الحلم أن نتمنى فحسب، بل أن نؤمن بأن الله جعل لكل ساعٍ نصيبًا، ولكل مجتهدٍ ثمرة، وأن الطريق وإن طال، فإن نهايته تشرق على من لم يتوقف عن المسير. فكم من إنسانٍ بدأ بخطوةٍ صغيرة، فإذا به يبلغ مكانًا لم يكن يجرؤ على تخيله، لأن قلبه كان أكبر من مخاوفه، وإرادته أوسع من حدود الواقع.
ولقد علّمتنا الحياة أن العوائق ليست جدرانًا تمنع الوصول، وإنما هي امتحاناتٌ تكشف صدق الرغبة وقوة العزيمة. فمن استسلم لها عاد أدراجه، ومن جعلها سلّمًا ارتقى فوقها، حتى رأى الدنيا من أفقٍ لم يره المترددون.
إن الأرض لا تفتح كنوزها لمن ينتظرها ساكنًا، وإنما لمن يسير إليها بقلبٍ مؤمن، وعقلٍ واعٍ، ويدٍ تعمل. فالأحلام التي لا يرافقها السعي تبقى حديثًا جميلًا، أما إذا اقترنت بالإرادة والعمل والتوكل على الله، فإنها تتحول إلى واقعٍ يكتبه الزمن في صفحات المجد.
فلنحلم ما دمنا أحياء، ولنجعل من أحلامنا رسالةً تبعث الحياة في أرواحنا، ولا نسمح لليأس أن يقنعنا بأن الطرق قد انتهت. فكم من طريقٍ لم يكن موجودًا حتى صنعته أقدام السائرين.
وهكذا تبقى الحقيقة الخالدة: على قدر أحلامنا تتسع الأرض لنا، وعلى قدر عزائمنا تتسع الحياة، وعلى قدر توكلنا على الله يفيض علينا من فضله ما لم يخطر لنا على بال.







