وعي: كيف تفسد المظاهر المستحدثة دفء علاقاتنا وبيوتنا؟

 

✍️محمد فريح الحارثي

لواء متقاعد

في الماضي القريب، كانت العلاقات الاجتماعية بيوت دافئة نهرب إليها من وعثاء الحياة؛ كانت الزيارة تعني لقاءً عفويًا بسيطًا يجمع القلوب على فنجان قهوة وتمرة.

أما اليوم، فقد تسللت إلى مجتمعنا موضة المزايدة والتنافس، وتحولت المناسبات الاجتماعية البسيطة إلى التزامات مالية مرهقة تُقاس قيمتها بحجم البذخ والتفاخر لا بصدق المودة وحرارة المشاعر.

عندما يغيب الذوق خلف قناع “البرستيج”

لقد انحرفت العادات الاجتماعية حتى أصبحت أبسط اللفتات تتطلب ميزانيات مُكلفة وتخطيطًا معقدًا. فالزيارات العادية العفوية لم تعد مقبولة إلا بصحبة أطباق الحلويات والمعجنات الفاخرة التي تُنتقى بعناية لإبهار الآخرين.

وحتى مناسبات النجاح والتقاعد ونُزالة البيت الجديد تحولت إلى مهرجانات تتطلب تجهيزات باهظة تُفرض فرضاً على المدعوين لشراء هدايا تليق بالصورة البصرية المنتظرة على منصات التواصل الاجتماعي.

ولعل المشهد الأكثر غرابة وتجاوزاً للذوق العام هو ما يحدث اليوم في أجنحة الولادة داخل المستشفيات. هذه الأماكن التي جُعلت أساساً للتعافي والهدوء، تحول بعضها إلى قاعات احتفال صاخبة تعج بالمعازيم، وعازفي الموسيقى، وأطقم الضيافة والبخور، في تجاهل تام لخصوصية المرضى الآخرين وحاجتهم للراحة، بل إن الأمر وصل ببعض الأمهات للعودة إلى المشفى بعد خروجهن منه لمجرد التقاط صور استعراضية للمكان!

بيوت تتهدم وعلاقات تنقطع

خلف هذه الصور البراقة والابتسامات المصطنعة في الفضاء الرقمي، هناك واقع اجتماعي مرير يتشكل؛ فالرغبة المستمرة في مجاراة الآخرين أصبحت تضغط بقوة على كاهل رب الأسرة وتفوق قدرته المادية.

لم يعد هذا التبذير سلوكاً فردياً عابراً، بل تحول إلى وقود للخلافات الزوجية الحادة التي تنتهي بالطلاق وتشتت الأسر لمجرد عجز ولي الأمر عن تلبية متطلبات “البرستيج” المتنامية. والأدهى من ذلك، أن هذه العادات أصبحت سبباً رئيسياً لقطيعة الرحم وجفاء الأصدقاء؛ فالعديد من الأشخاص العاجزين مادياً عن مجاراة هذا البذخ المستمر آثروا الانعزال والانسحاب تماماً من المناسبات والزيارات، تفادياً للحرج أو الشعور بالعجز أمام الآخرين.

نحو وعي يواكب قيم الاستدامة والترشيد

إننا نعيش اليوم في عصر يرتكز على قيم الاستدامة والترشيد، وهي قيم لا تقتصر على الاقتصاد والبيئة فحسب، بل هي أسلوب حياة يحمي استقرار الفرد وأسرته مالياً ونفسياً.

الوعي الحقيقي اليوم يتطلب منا الجرأة في كسر هذه القيود الوهمية والعودة إلى البساطة. فالقيمة الحقيقية للإنسان تكمن في جوهره وعطائه، والذكاء الاجتماعي الحقيقي هو الذي يحافظ على دفء العلاقات وتماسك البيوت، بعيداً عن صخب المظاهر وتكاليف التباهي التي تدمر أجمل ما في صلاتنا الإنسانية.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

الفن… حين تتكلم الأرواح ويزهر الصمت

  مزنة بنت سعيد البلوشية كاتبة عُمانية الكتابة ليس الفنُّ لونًا يُسكب على لوحة، ولا قصيدةً تُكتب ثم تُطوى بين دفتي كتاب، ولا لحناً يعبر الأذن ثم يرحل. الفنُّ حياةٌ أخرى تُولد في داخل الإنسان، وحين تضيق الكلمات عن حمل ما في القلب، يتقدم الفن ليقول كل ما عجز اللسان عن البوح به. هو لغة الأرواح التي لا تحتاج إلى ترجمان، ورسالة القلوب التي تؤمن بأن…

الذكاء الاصطناعي بين صناعة المعرفة وصناعة الوهم

  بقلم: أحمد علي بكري يشهد العالم اليوم ثورة تقنية غير مسبوقة مع الانتشار الواسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي أصبحت في متناول الجميع بعد أن كانت تقنيات متقدمة لا يستخدمها إلا المتخصصون. وقد أسهمت هذه الأدوات في تسريع الوصول إلى المعلومات، والمساعدة في البحث، وصياغة النصوص، وتلخيص الكتب، وترجمة اللغات، وشرح المفاهيم، حتى غدت جزءًا من الحياة اليومية لملايين المستخدمين. غير أن هذه السهولة نفسها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

رئيس الشؤون الدينية يزور الروضة الشريفة ويؤكد أهمية الالتزام بآداب الزيارة

رئيس الشؤون الدينية يزور الروضة الشريفة ويؤكد أهمية الالتزام بآداب الزيارة

بعد إنطلاقة قوية للموسم.. عقبة المحمدية تستضيف الجولة الثانية من صعود الهضبة 

بعد إنطلاقة قوية للموسم.. عقبة المحمدية تستضيف الجولة الثانية من صعود الهضبة 

في ذمة الله تعالى السيد/ هاشم سعيد ناصري

في ذمة الله تعالى السيد/ هاشم سعيد ناصري

وعي: كيف تفسد المظاهر المستحدثة دفء علاقاتنا وبيوتنا؟

وعي: كيف تفسد المظاهر المستحدثة دفء علاقاتنا وبيوتنا؟

“أبناء آل قيس” يكرمون الدكتور معدي آل حيه لنيله درجة الدكتوراه

“أبناء آل قيس” يكرمون الدكتور معدي آل حيه لنيله درجة الدكتوراه

محافظ الطائف يتوج جمعية الطائف الخضراء بجائزة المبادرات المجتمعية 2025 

محافظ الطائف يتوج جمعية الطائف الخضراء بجائزة المبادرات المجتمعية 2025 

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode