عندما تسيطر الأنانية على روح الإنسان، يتحول ذلك الكائن البشري إلى وحشٍ بشري.
المشهد الثالث
(الانتظار)
تظاهرت نادية بالنوم عندما فتحت الممرضة خلود الباب. كانت تكره الحقن التي تجعلها هادئة ومستسلمة، وكأنها تفقد سيطرتها على نفسها، وهي لا تريد لأحد، مهما كانت مكانته لديها، أن يتحكم بها.
لقد ألفت هذه الممرضة؛ فمنذ فترة طويلة وهي تتولى رعايتها. كانت فتاة جميلة وحنونة، لكن نادية لم تكن تصدّقها، ولا تصدّق ما تقوله لها. كانت تعتقد أن تصديقها المزعوم ليس سوى جزء من واجبات عملها.
أشاحت بوجهها نحو المخدة المجاورة، وقالت بفرح:
أنتِ صديقتي الوحيدة… أشعر أنكِ تفهمين ما أقول.
ثم أخرجت، في خفية حتى لا تراها خلود، قصاصة ورق وهي تقول بفرحة طفل وجد أخيرًا من يصغي إليه:
هذه الورقة كتبها حبيبي طاهر. قال إنه سيعود هذا المساء، وأنا أنتظره… هو لا يكذب عليّ، فمنذ أن تزوجته لم يخلف وعدًا واحدًا.
اقتربت خلود، ووضعت يدها على جبين نادية بابتسامة دافئة، وقالت:
مساء الخير يا حلوة.
ثم أضافت:
لم أركِ البارحة، فقد كنت مشغولة، لكنني اليوم جئت فقط لأطمئن عليك.
نظرت نادية إلى يدي خلود وكأنها تبحث عن الإبرة أو الدواء. انتبهت خلود لذلك، ففتحت كفيها الفارغتين وقالت ضاحكة:
انظري… لا توجد أدوية اليوم. سنجلس ونتحدث معًا، ما رأيك؟
اعتدلت نادية في جلستها، وقد ارتسمت الفرحة على وجهها، وقالت:
يعني الليلة لا توجد إبر؟
ثم وضعت إصبعها على شفتيها وكأنها تسترجع فكرة مهمة، وقالت بلهفة:
هل جاء طاهر ليخرجني من هنا؟
نهضت مسرعة نحو النافذة، وحاولت فتحها، لكنها عجزت. فأشارت إلى الشمس وهي تغرب وقالت بفرح غامر:
انظري يا خلود… الشمس بدأت تغرب، وهذا موعد مجيء طاهر. لقد وعدني أنه سيحضر بعد غروب الشمس.
عادت مسرعة إلى مخدتها، احتضنتها ورفعتها إلى الأعلى، ثم التقطتها وهي تضحك قائلة:
ألم أقل لكِ إنه سيأتي؟ لم يخلف موعدًا معي أبدًا… إنه بطلي.
ثم اتجهت نحو خلود، وهزّت كتفها برفق، وقالت:
هل جاء بملابسه العسكرية؟ إنه يعلم أنني أحب أن أراه بزيه العسكري… ومشيته الجميلة. صدقيني، إنه بطل.
وعندما لاحظت أن خلود لم تجبها، ركعت على ركبتيها، وأمسكت بيديها، وانفجرت بالبكاء.
وقفت خلود حائرة… ماذا تفعل؟
كانت تلك المرة الأولى التي ترى فيها نادية تتحدث بكل هذا الأمل، وكل هذا الحب.
وقالت في نفسها:
مستحيل أن تكون هذه المرأة مجنونة… إنها تتذكر زوجها بكل تفاصيله؛ زيه العسكري، وموعد وصوله، وحتى دقته في المواعيد. إنها تنتظره كما تنتظر كل فتاة فارس أحلامها ليأتي ويأخذها على حصانه الأبيض.
ساد صمت ثقيل داخل الغرفة، ولم تعد خلود تعرف أهي أمام مريضة تعيش أوهامها، أم أمام امرأة سُلبت منها الحقيقة، فأصبحت تتمسك بذكرياتها كما يتمسك الغريق بخشبة نجاة.
ارتسمت الحيرة على وجه خلود، وهمست بصوتٍ يكاد يُسمع:
ولكن… من هي خولة؟ ولماذا تناديني بهذا الاسم؟
وبقي السؤال معلقًا في أرجاء الغرفة، بينما كانت نادية تحدق في الأفق بعينين تملؤهما الثقة، وكأنها ترى شخصًا لا يراه أحد سواها… تنتظر غروب الشمس، وتنتظر معه عودة طاهر.
يتبع…
بقلم: فايل المطاعني الحكواتي.








