التعلُّق بالمربي.. حين تتحول المحبة إلى عثرة في طريق التربية

بقلم د معدي حسين علي ال حيه 

بحكم عملي موجهًا طلابيًا قرابة (29) عامًا، وما لمسته خلال هذه المسيرة من مواقف وتجارب ميدانية مع الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين، اخترت أن أكتب في موضوع تربوي مهم يمس كل أبٍ وأم، وكل معلم ومربٍ، مستفيدًا من مادة علمية منشورة في أحد المواقع المتخصصة بالتربية، لما لها من أهمية في بناء الشخصية المتوازنة.

ولا شك أن من أعظم ما يرزق الله به المربي أن يفتح له قلوب طلابه، فيحبونه ويثقون به ويقبلون على نصحه وتوجيهه، فالمحبة الصادقة من أهم أسباب نجاح العملية التربوية، لأنها تجعل الطالب أكثر استعدادًا لتلقي العلم والخلق والقيم.

غير أن هذه النعمة قد تتحول إلى إشكال تربوي إذا تجاوزت المحبة حدها الطبيعي، وأصبحت تعلقًا بشخص المربي، حتى يغدو الطالب مرتبطًا به أكثر من ارتباطه بالله تعالى، فتضعف استقامته إذا غاب المربي أو انتقل إلى مكان آخر.

وهنا يظهر الفرق بين المحبة والتعلق؛ فالمحبة تعين الطالب على الانتفاع بمربيه مع بقاء شخصيته مستقلة، أما التعلق فيجعل استقامته مرتبطة بوجود المربي، فإذا غاب ضعف نشاطه أو انقطع عن طريق الخير.

ومن أبرز مظاهر هذا التعلق: ربط الاستقامة بوجود المربي، ورفض الانتفاع بمربٍ آخر، والمبالغة في الحزن عند غيابه، وحصر الصواب في رأيه، وتقليده في هيئته وعاداته حتى تضعف شخصية الطالب، مع تضييق دائرة علاقاته فلا يأنس إلا به.

وفي الغالب لا تنشأ هذه الحالة من سوء في الطالب، بل من محبة صادقة تجاوزت حدها، ولذلك فإن علاجها يحتاج إلى الحكمة والرفق.

ومن أهم أسباب التعلق: الفراغ العاطفي لدى بعض الطلاب، واهتمام المربي الزائد بهم، واحتكار التوجيه، وإشعار الطالب بخصوصية مفرطة، وقلة القدوات، وصناعة هالة حول المربي، وعدم ترسيخ حقيقة أن التعلق ينبغي أن يكون بالله وحده.

وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذا الأصل العظيم، فعندما شاع في غزوة أحد أن النبي ﷺ قد قُتل، أنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾، ثم ذكّر أبو بكر رضي الله عنه الأمة بعد وفاة النبي ﷺ بقوله: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت». وهي رسالة تربوية خالدة تؤكد أن الأشخاص يرحلون، ويبقى دين الله ومنهجه.

وللوقاية من هذا التعلق، ينبغي للمربين ترسيخ تعلق القلوب بالله، وتعليم الطلاب أن الحق يُعرف بالدليل لا بالأشخاص، وأن المربي بشر يصيب ويخطئ، مع إشراك أكثر من مربٍ في متابعة الطلاب، والاعتدال في العلاقة الفردية، وربطهم بالقرآن والعبادة، وتهيئتهم لأي انتقال في المربين، وإظهار التواضع والثناء على الآخرين.

أما إذا وقع التعلق بالفعل، فإن علاجه يكون بالتدرج والرفق، من خلال توسيع دائرة علاقات الطالب، وتشجيعه على الاستفادة من بقية المربين، وتقليل اعتماده على شخص واحد، وربطه بالعلم والعبادة، مع الصبر؛ لأن مثل هذه المشاعر لا تزول بين يوم وليلة.

إن النجاح الحقيقي للمربي لا يقاس بعدد الملتفين حوله، وإنما يقاس بثبات طلابه على الحق بعد غيابه، فإذا استمروا في الاستقامة، وانتفعوا بغيره، فقد نجح في ربطهم بالله تعالى وبالمنهج الصحيح، لا بشخصه.

وفي الختام، فإن المربي الصادق لا يصنع أتباعًا يدورون حوله، وإنما يبني رجالًا ونساءً يعرفون ربهم، ويتمسكون بالحق في حضوره وبعد غيابه. فالمربي الناجح هو الذي يجعل من نفسه جسرًا يعبر عليه طلابه إلى الله تعالى، لا محطة يقفون عندها، وهنيئًا لكل مربٍ غرس في النفوس الإخلاص لله، وربّى أجيالًا تسير مع الحق حيث كان، لا مع الأشخاص حيث كانوا.

صدي نيوز اس 6

Related Posts

نمنح قلوبنا لمن لا يروننا

  بقلم أحمد علي بكري في هذه الحياة، لا يؤلمنا أن نعطي فلا نأخذ بالمقدار نفسه، بقدر ما يؤلمنا أن نكتشف أن كل ما قدمناه لم يكن مرئيًّا في عيون بعض الأشخاص، وأن كل ما بذلناه من اهتمام وصدق واحتواء لم يكن كافيًا ليجعلنا يومًا في المكانة التي تمنّيناها في قلوبهم. فثمة أشخاص لا يتذكرون من كل ما فعلته لأجلهم إلا الشيء الوحيد الذي عجزت عن…

في محراب السعودية العظمى نبضٌ واحد..ودرعٌ لا ينكسر

  دكتور حسن الأمير ********************************************** هنا على هذه الأرض الطاهرة الانتماء عقيدة تسري في عروقنا وعشقاً أزلياً يمتزج بترابها…… السعودية العظمى ليست مجرد وطن نسكنه بل هي الكيان الروحي والوجودي الذي يسكننا وقبلة الدنيا التي تشرق منها أمجاد الحاضر والمستقبل مدفوعة برؤية قيادة حكيمة وشجاعة عانقت بطموحها عنان السماء…….. في هذا الوطن تسقط كل المسافات والفوارق أمام نداء الواجب، فكلنا—بلا استثناء—رجال أمن يلبسون ثوب اليقظة والفداء…

لقد فاتك ذلك

شاهين (أم خنصر) يحلق في صدارة مزاد المركز الوطني للصقور بـ 375 ألف ريال

شاهين (أم خنصر) يحلق في صدارة مزاد المركز الوطني للصقور بـ 375 ألف ريال

بيئة رابغ تكثّف جولاتها الرقابية على أسواق النفع العام والمسلخ وأسواق الأعلاف بمركز حجر

بيئة رابغ تكثّف جولاتها الرقابية على أسواق النفع العام والمسلخ وأسواق الأعلاف بمركز حجر

المنظمة العربية للسياحة تصدر بيانًا بشأن الهجوم الإرهابي على المملكة الاردنية الهاشمية 

المنظمة العربية للسياحة تصدر بيانًا بشأن الهجوم الإرهابي على المملكة الاردنية الهاشمية 

السديس: تكرار استهداف مليشيا الحوثي الإرهابية لمكة المكرمة والمدينة المنورة يؤكد إجرامها ونواياها الخبيثة تجاه المسلمين ومقدساتهم

السديس: تكرار استهداف مليشيا الحوثي الإرهابية لمكة المكرمة والمدينة المنورة يؤكد إجرامها ونواياها الخبيثة تجاه المسلمين ومقدساتهم

نمنح قلوبنا لمن لا يروننا

نمنح قلوبنا لمن لا يروننا

في محراب السعودية العظمى نبضٌ واحد..ودرعٌ لا ينكسر

في محراب السعودية العظمى نبضٌ واحد..ودرعٌ لا ينكسر

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode