اليقين بالله

 

ورد العقيلي/القاهرة

هل توقفت يوما لتتسائل عن سيدنا الخضر ؟!

هل هو نَبِيّ أم وَلِيّ أم عَالِمٌ أم ماذا

هل انتابتك الدهشة لهذا الذي جعله الله أكثر عِلمًا وحِكمَةً ورَحمْةً من نَبِيّ مُرْسَل ؟!

أتساءلت يومًا لماذا كل هذا الإصرار أن يصل سيدنا موسى لِبُلُوغ المكان الذي سَيُلاقي فيه سيدنا الخضر ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ﴾.

الأكيد أن هذه القصة تحديدًا تختلف تمامًا عن كل القصص

قصة سيدنا موسى والعبد الصالح لم تكن كغيرها من القصص

لأن هذه القصة تتعلق بِعِلْم ليس هو عِلْمُنا القائم على الأسباب، وليس هو عِلْم الأنبياء القائم على الوحي؛ إنما نحن في هذه القصة أمام عِلْم من طبيعة أخرى ..

عِلْم ( الْقَدْر الأعلى )، عِلْم أُسْدِلَت عليه الأستار الكثيفة، كما أُسْدِلَت على مكان اللقاء و زمانه وحتى الإسم ﴿ عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا ﴾، هذا اللقاء كان استثنائيًا، لأنه يُجيب على أصعب سؤال يدور في النفس البشرية منذ خلق الله آدم إلى أن يرث الأرض وما عليها.

وهو لماذا خلق الله الشر والفقر والمعاناة والحروب والأمراض، وكيف يَعْمَل الْقَدْر ؟!

البعض يذهب إلى أن العبد الصالح ( الخضر ) لم يكن إلا تجسيدًا للقدر المتكلم لعلّه يُرشدنا ﴿ فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ﴾، وأهم مواصفات القدر المتكلم أنه رحيم عليم -أي أن الرحمة سبقت العِلْم-.

فقال النبي موسى : ﴿ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ﴾

يرد القدر المتكلم ( الخضر ) : ﴿ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾، ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ﴾

يرد سيدنا موسى بكل فضول : ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ﴾ هنا تبدأ أهم رحلة توضح لنا كيف يعمل القدر ..

يركبا في قارب المساكين ﴿ فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ﴾، فَيَخْرِق الخضر القارب، وهنا تخيل المعاناة الرهيبة التي حدثت للمساكين في القارب المثقوب .. معاناة ، ألم ، رعب ، خوف ، تضرع .. جعل موسى البشري يقول للقدر المتكلم ﴿ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ﴾.

عتاب للقدر كما نفعل نحن تماما .. خلقتني بلا ذُرية كي تُشَمِت بي الناس ؟!، فصلتني من عملي كي أُصبح فقير ؟!، لماذا احببتنا لبعض وفرقتنا ؟!، لماذا رزقتني بهذا المرض ؟!، يارب أنستحق كل هذا التعب ؟!

وهنا يقول الخضر ﴿ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ ألم أقل لك أنك لن تفهم الأقدار ؟! ثم يمضيا بعد تعهد جديد من موسى بالصبر ..

يمضي الرَّجُلَان ويقوم الخضر الذي وصفه الله بالرحمة قبل العِلْم، بقتل الغلام ويمضي .. فيزداد غضب موسى النبي الذي يأتيه الوحي، ويُعاتِب بلهجة أشد ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ﴾.

والكلام صادر عن نبي أُوحي إليه .. لكنه بَشَرًا مثلنا، و يعيش نفس حيرتنا .. فيؤكد له الخضر مرة أخرى ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾ !!، ثم يمضيا بعد تعهد أخير من موسى كليم الله بأن يصمت ولن يتكلم مرة أخرى.

فيذهبان إلى أهل قرية ويسألوهم عن الطَّعام، فلم يُطعِموهما، ورأى الخضر أن هناك جدار على وشك السقوط لميلانه، فسوَّاه وبناه ولم يأخذ مقابل عليه؛ وهنا ينفجر موسى ويقول له إنك قد علمت أننا جياع وأن أهل القرية لم يُطعِمونا، فكنت أخذتَ على عملك أجرًا .. فيجيبه الخضر ﴿ قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ﴾.

هنا تتجلى حكمة الله عَزَّ و جَلَّ والتيلن تفهم بعضها حتى يوم القيامة.

القدر ثلاثة أنواع ..

– النوع الأول :

شَرًّا تراه فتحسبه شَرًّا .. فيكشفه الله لك أنه كان خَيْرًا .. فما كان ظاهر شَرًّا لأصحاب القارب، اتضح لهم أنه خَيْرًا { أَمَّا ٱلسَّفِینَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَـٰكِینَ یَعۡمَلُونَ فِی ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِیبَهَا وَكَانَ وَرَاۤءَهُم مَّلِكࣱ یَأۡخُذُ كُلَّ سَفِینَةٍ غَصۡبࣰا } .. وهذا هو النوع الأول ونراه كثيرا في حياتنا اليومية، وعندنا جميعا عشرات الامثلة عليه.

– النوع الثاني :

مثل قتل الغلام .. شَرًّا تراه فتحسبه شَرًّا .. لكنه في الحقيقة خَيْرًا .. لكن لن يكشفه الله لك طوال حياتك .. فتعيش عمرك و أنت تحسبه شَرًّا.

هل عرفت أم الغلام حقيقة ما حدث ؟!

هل أخبرها الخضر لماذا قتله ؟!

الجواب لا .. وبالتأكيد قلبها انفطر و أمضت ليالي طويلة حُزنًا على هذا الغلام الذي ربته سنين في حِجرِها، ليأتي رجل غريب يقتله ويمضي ..

ثم يرزقها الله بطفل اخر وهي لم تستطع أبدا أن تعرف أن الطفل الثاني الذي رزقها الله إياه كان تعويضا عن الأول ﴿ فَأَرَدۡنَاۤ أَن یُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَیۡرࣰا مِّنۡهُ زَكَوٰةࣰ وَأَقۡرَبَ رُحۡمࣰا ﴾

وأن الأول كان سيكون سيئا ﴿ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ ..

فهنا نحن أمام شر حدث للأم .. ولم تستطع تفسيره أبدا .. ولن تفهم أم الغلام حقيقة ما حدث إلى يوم القيامة.

ونحن عندما نقرأ سورة الكهف نمر على المشهد مرور الكرام لأننا نعرف فقط لماذا فعل الخضر ذلك؛ أما هي فلم و لن تعرف هذا إلى يوم القيامة.

– النوع الثالث من القدر و هو الأهم :

هو الشر الذي يصرفه الله عنك دون أن تدري لطف الله الخفي .. الخير الذي يسوقه لك الله ولم ولن تراه، ولن تعلمه.

﴿ وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَـٰمَیۡنِ یَتِیمَیۡنِ فِی ٱلۡمَدِینَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزࣱ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَـٰلِحࣰا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن یَبۡلُغَاۤ أَشُدَّهُمَا وَیَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةࣰ مِّن رَّبِّكَۚ ﴾

هل اليتامى أبناء الرجل الصالح عرفوا أن الجدار كان سَيُهدم ؟! .. لا .. هل عرفوا أن الله أرسل لهم من يبنيه ؟! .. لا .. هل فهم موسى السر من بناء الجدار ؟! .. لا .. هل شاهدوا لُطف الله الخفي وكانوا يعرفون أن تحته كَنزࣱ لهم ؟! الجواب .. قطعا لا ..

فلنعد سويا إلى كلمة الخضر ” القدر المتكلم ” الأولى ﴿ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ﴾، لن تستطيع أيها الإنسان أن تفهم أقدار الله، وذلك لأن الصورة أكبر من عقلك.

إستعن بـ لُطف الله الخفي لِتَصْبِر على أقداره التي لا تفهمها.. ثق في ربك فإن قدرك كله خَيْرًا، وقل في نفسك، أنا لا أفهم أقدار الله، لكنني مُتَسِق مع ذاتي ومتصالح مع حقيقة أنني لا أفهمها، لكنني موقن كما الراسخون في العِلْم، أن كل ما يأتي من عند الله خَيْرًا.

إذا وصلت لهذه المرحلة، ستصل لأعلى مراحل الإيمان والطمأنينة؛ وهذه هي الحالة التي لا يهتز فيها الإنسان لِأَيٍّ من أقدار الله خَيْرًا بدت أم شَرًّا، وسيحمد الله في كل حال عن إقتناع وثقة.

صدى نيوز إس 5

Related Posts

عَجَبٌ عَجَبٌ… والدنيا كلّها عجايب!

  بقلم الإعلامي/ خضران الزهراني حين تتحوّل الحكايات إلى أساطير، ويصبح الخيال حديث المجالس! عجبًا لهذه الدنيا وما يدور في أروقتها! يُقال ويقولون، وتُروى الحكايات، وتُنسج الروايات، حتى يصبح الخيال حقيقةً في أعين البعض، وتتحوّل كلمة عابرة إلى قصة تتناقلها الألسن وكأنها حدثٌ موثّق! هناك من يسمع فيضيف، ومن يروي فيبالغ، ومن يصدّق دون أن يسأل، حتى تكبر الحكاية وتصبح أسطورةً لا يعرف أحدٌ أين بدأت،…

أصل الكعب العالي: كيف تحوّل من عتاد للفرسان والحروب إلى أيقونة للموضة؟

  بقلم أحمد علي بكري قد يبدو الكعب العالي اليوم أحد أبرز رموز الأناقة في عالم الأزياء، وقطعةً ترتبط في الأذهان بالأنوثة والمناسبات الفاخرة والسعي إلى إضفاء مزيد من الطول على القامة، لكنه يحمل وراء مظهره الأنيق تاريخًا مختلفًا تمامًا عن الصورة التي استقر عليها في العصر الحديث. فقد ارتبطت بداياته العملية بالرجال والفرسان وركوب الخيل، قبل أن يشق طريقه إلى قصور الملوك والنبلاء، ويتحول من…

لقد فاتك ذلك

‏«بيئة مكة» تضبط 5 آبار مخالفة خلال جولات رقابية بالعاصمة المقدسة

‏«بيئة مكة» تضبط 5 آبار مخالفة خلال جولات رقابية بالعاصمة المقدسة

جمعية رفيق النجاح تحتفي باليوم العالمي للعصا البيضاء

جمعية رفيق النجاح تحتفي باليوم العالمي للعصا البيضاء

وزيرة ثقافة ترينتينو تمنح زاهي حواس الجائزة الخاصة للإقليم في احتفالية رسمية بـ «قاعة ديبييرو»

وزيرة ثقافة ترينتينو تمنح زاهي حواس الجائزة الخاصة للإقليم في احتفالية رسمية بـ «قاعة ديبييرو»

أولُ رسولٍ ناقلٍ للخبر… من الهدهد إلى الإعلام الحديث

أولُ رسولٍ ناقلٍ للخبر… من الهدهد إلى الإعلام الحديث

عَجَبٌ عَجَبٌ… والدنيا كلّها عجايب!

عَجَبٌ عَجَبٌ… والدنيا كلّها عجايب!

أمير منطقة الرياض يستقبل رئيس الهيئة العامة للنقل

أمير منطقة الرياض يستقبل رئيس الهيئة العامة للنقل

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode