بقلم: الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان
مقدمة :
المظاهرُ تتغيَّرُ، والملامحُ يعتريها الزمنُ، أمَّا جمالُ الروحِ فإنَّه يزدادُ إشراقًا بالطاعةِ، ويزهو بالإيمانِ، ويسمو بحسنِ الخُلُقِ. فالسعادةُ الحقيقيةُ تكمنُ في جمالِ الباطنِ؛ لأنَّ القلبَ إذا امتلأ حبًّا للهِ تعالى، وإحسانًا إلى الخلقِ، وصدقًا في النيَّةِ، انعكس ذلك نورًا على الوجهِ، وقبولًا في القلوبِ، وذكرًا حسنًا بين الناسِ.
إنَّ الأخلاقَ الكريمةَ هي الزينةُ التي لا تبلى، والجمالُ الذي لا يذبلُ، والثروةُ التي لا تنفدُ، وهي النورُ الذي يُضيءُ الطريقَ لصاحبِه في الدنيا، ويُخلِّدُ أثرَه الجميلَ في القلوبِ بعد رحيلِه.
تأملات (251–260)؛
251. الثقةُ باللهِ تعالى تُغني عن الخوفِ من كلامِ الوشاةِ؛ فمن أصلحَ ما بينَه وبين اللهِ تعالى، كفاه اللهُ تعالى شرَّ ألسنةِ الخلقِ، وألقى له القبولَ بفضلِه.
252. الهدوءُ النفسيُّ يُحسِّنُ مهارةَ الاعتذارِ الراقي؛ فالاعترافُ بالخطأِ قوَّةٌ، والهدوءُ يجعلُ الاعتذارَ أكثرَ صدقًا، ويُصلحُ ما انكسرَ بالحكمةِ والوقارِ.
253. الرضا بقضاءِ اللهِ تعالى يمنحُك القدرةَ على تقبُّلِ تغيُّرِ الأصحابِ؛ فالقلوبُ تتقلَّبُ، لكنَّ من رضي باللهِ تعالى بقي ثابتًا مطمئنًّا، لا تهزُّه تقلُّباتُ الناسِط
254. السكينةُ القلبيةُ ثمرةُ تركِ التفاخرِ بالعلمِ؛ فالعلمُ سبيلٌ إلى معرفةِ اللهِ تعالى، وليس وسيلةً للتكبُّرِ، وكلَّما ازداد الإنسانُ علمًا ازداد تواضعًا وخشيةً للهِ تعالى.
255. القربُ من اللهِ تعالى يمنحُ المؤمنَ حصنًا من الحسدِ؛ فذكرُ اللهِ تعالى ودوامُ طاعتِه من أعظمِ أسبابِ الحفظِ والأمانِ.
256. صفاءُ القلبِ والإخلاصُ للهِ تعالى يورثانِ التوفيقَ في المشورةِ؛ فإذا صدقتِ النيَّةُ، يسَّر اللهُ تعالى لك الرأيَ السديدَ، وأجرى الحكمةَ على ألسنةِ أهلِ الرأيِ.
257. الامتنانُ للهِ تعالى يبدأُ ببرِّ الوالدينِ؛ فمن شكرَ سببَ وجودِه، وفَّقه اللهُ تعالى لشكرِ نعمِه، وذاقَ حلاوةَ السعادةِ الحقيقيةِ.
258. الوعيُ باللهِ تعالى يُهذِّبُ الرغبةَ في الاستئثارِ بالمديحِ؛ فالمؤمنُ يعلمُ أنَّ الفضلَ كلَّه للهِ تعالى، وأنَّ النِّعَمَ أمانةٌ واختبارٌ للشكرِ والتواضعِ.
259. السعادةُ الحقيقيةُ تسكنُ القلبَ عند إغاثةِ الملهوفِ، وقضاءِ حاجةِ المحتاجِ، ورسمِ البسمةِ على وجهِ المكروبِ؛ فهي من عاجلِ بشائرِ اللهِ تعالى لعبادِه المحسنينَ.
260. كلُّ قضاءٍ يقدِّره اللهُ تعالى يحملُ خيرًا وإن خفيَ عن الأبصارِ؛ فلا تحزنْ على ما فاتَ من أمرِ الدنيا، فلعلَّ اللهَ تعالى يدَّخرُ لك به رفعةً في الآخرةِ، وأجرًا عظيمًا، ويُعِدُّ لك قصرًا في الجنَّةِ بفضلِه ورحمتِه.
خلاصة المقال:
ليس أجملُ الناسِ من حَسُنَتْ صورتُه، بل أجملُهم من أشرقتْ روحُه بالإيمانِ، وتزيَّنَ قلبُه بالتقوى، وعَظُمَ أثرُه بالإحسانِ. فاحرصْ أن يكون لك في كلِّ يومٍ خُلُقٌ أجملُ، وقلبٌ أنقى، وعملٌ أصلحُ؛ فإنَّ جمالَ الروحِ هو الجمالُ الذي يبقى في الدنيا أثرًا، وفي الآخرةِ أجرًا.
ومضة إيمانية:
كلَّما ازددتَ قربًا من اللهِ تعالى، ازداد نورُ روحِك، وإن لم يشعرْ بذلك أحدٌ؛ لأنَّ النورَ الحقيقيَّ يبدأُ من القلبِ، ثم يفيضُ على الوجهِ، والكلمةِ، والعملِ، والسلوكِ.
دعاء:
اللهمَّ يا مُقلِّبَ القلوبِ، ثبِّتْ قلوبَنا على دينِك، وزيِّنْ أرواحَنا بالإيمانِ، وألسنتَنا بالصدقِ، وأعمالَنا بالإخلاصِ، وأخلاقَنا بالإحسانِ، واجعلْ لنا نورًا في قلوبِنا، ونورًا في وجوهِنا، ونورًا في أقوالِنا وأعمالِنا، وارزقْنا القبولَ في الأرضِ، والفوزَ برضاك والجنةِ في الآخرةِ، إنَّك على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
الخاتمة:
إنَّ جمالَ الروحِ هو الجمالُ الذي لا تُغيِّره الأعوامُ، ولا تُطفئُ نورَه الأيامُ، ولا تنالُ منه تقلُّباتُ الحياةِ؛ لأنَّه جمالٌ يستمدُّ إشراقَه من الإيمانِ، وبهاءَه من حُسنِ الخُلُقِ، وبقاءَه من الإخلاصِ للهِ تعالى.
فاجعلْ همَّك تزكيةَ روحِك قبل تجميلِ مظهرِك، وإصلاحَ قلبِك قبل إصلاحِ صورتِك؛ فإنَّ اللهَ تعالى ينظرُ إلى القلوبِ والأعمالِ، وبصلاحِ القلبِ تستقيمُ الحياةُ، وتفوزُ برضا اللهِ تعالى، ومحبةِ الناسِ، وسعادةِ الدنيا والآخرةِ.
موعدنا القادم:
نلتقي بكم، بإذنِ اللهِ تعالى، يومَ الخميسِ القادم، مع المقال (27) من سلسلة «حياتك السعيدة»، لنواصلَ معًا رحلةَ بناءِ النفسِ، وتهذيبِ الروحِ، وصناعةِ حياةٍ تفيضُ إيمانًا، وأملًا، وسعادةً.
نسألُ اللهَ تعالى أن يجعلَ ما نكتبُ ونقرأُ خالصًا لوجهِه الكريم، وأن ينفعَ به، ويباركَ في الجهودِ، ويجمعَنا دائمًا على الخيرِ والهدى.






