الغُترة والعِقال.. من غطاء الرأس العربي القديم إلى رمز الهوية في الجزيرة العربية

 

بقلم: أحمد علي بكري

تُعد الغُترة والعِقال من أكثر عناصر الزي العربي ارتباطًا بصورة الرجل في الجزيرة العربية، ولا سيما في المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، حتى غدوا اليوم جزءًا راسخًا من المظهر الاجتماعي والوطني. غير أن حضور الغُترة والعِقال في الذاكرة الشعبية المعاصرة كثيرًا ما دفع إلى طرح أسئلة حول أصولهما: متى ظهرا؟ وهل يعودان إلى عصور سحيقة في تاريخ الجزيرة العربية؟ وهل يمكن إثبات صلتهما بأغطية الرأس التي تظهر في النقوش والتماثيل القديمة؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي أولًا التفريق بين التاريخ العام لتغطية الرأس في الشرق الأدنى والجزيرة العربية، وبين تاريخ الغُترة والعِقال بصورتهما المعروفة اليوم.

إن تغطية الرأس ليست ظاهرة حديثة في الجزيرة العربية، بل هي عادة ضاربة في القدم فرضتها عوامل المناخ والبيئة والحياة الاجتماعية. فقد كان الرأس والوجه بحاجة إلى الحماية من أشعة الشمس والحرارة والغبار والرمال والرياح، ولذلك عرفت المجتمعات العربية والصحراوية أشكالًا متعددة من أغطية الرأس والأقمشة والعصائب التي اختلفت تسمياتها وهيئاتها من عصر إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى. غير أن وجود أغطية للرأس في العصور القديمة لا يعني بالضرورة أن تلك الأغطية كانت هي الغُترة الحالية نفسها؛ فالتشابه في الوظيفة أو الشكل العام لا يكفي وحده لإثبات استمرارية قطعة لباس بعينها عبر آلاف السنين.

والغُترة في صورتها المعروفة اليوم عبارة عن قطعة قماش مربعة غالبًا ما تكون بيضاء، تُوضع على الرأس بطرائق مختلفة، وقد تُترك منسدلة على الكتفين أو تُرتب بطريقة توفر حماية أكبر للرأس والوجه. وهي تنتمي إلى منظومة أوسع من أغطية الرأس العربية التي تضم الكوفية والشماغ وغيرهما من المسميات والأشكال التي اختلفت بحسب الأقاليم والتقاليد المحلية. ومن المهم هنا عدم التعامل مع هذه المسميات على أنها تشير دائمًا إلى قطعة واحدة متطابقة؛ فالزي العربي تطور في بيئات متعددة، وتداخلت فيه العادات المحلية مع المؤثرات الإقليمية.

وتشير المعطيات المتداولة في المصادر التاريخية إلى أن لفظ «الغُترة» له حضور قديم نسبيًا في التراث العربي، مع وجود إشارات مكتوبة تعود إلى القرون الحديثة، في حين تقدم الصور والوثائق من القرن التاسع عشر شواهد مهمة على استعمال أغطية رأس قريبة من الهيئة التي أصبحت مألوفة في الجزيرة العربية. ومن أبرز الشواهد التصويرية ما يرتبط بصور شخصيات عربية في القرن التاسع عشر، حيث يظهر غطاء الرأس الذي يشبه في بنيته العامة ما أصبح لاحقًا جزءًا من الزي العربي المعروف.

أما العِقال، فهو الجزء الذي يوضع فوق غطاء الرأس لتثبيته، وقد ارتبط اسمه في التفسير الشعبي واللغوي بفعل «عَقَلَ» الذي يعني الربط والمنع، ومنه «عِقال البعير»، أي الرباط الذي تُربط به الناقة أو الدابة لمنعها من الحركة. ومن هنا ظهرت تفسيرات تربط بين العقال الذي يوضع على الرأس وبين الحبل الذي كان يُستخدم في عقل الإبل وربطها. ومهما يكن أصل التسمية الدقيق، فإن الوظيفة الأساسية للعقال واضحة: تثبيت غطاء الرأس ومنع الرياح من تحريكه، وهي وظيفة تتلاءم بصورة طبيعية مع البيئة الصحراوية.

ولم يكن العقال في صوره الأولى بالضرورة مطابقًا للعقال الأسود الذي نراه اليوم. فقد عُرفت أربطة الرأس والعمائم والعصائب المصنوعة من مواد مختلفة، ومنها الصوف وشعر الماعز ووبر الإبل، وكانت الصناعات التقليدية تعتمد على المواد المتاحة محليًا. ثم تطورت أشكال العقال وطرق صناعته، وأصبح له حضور واضح في لباس الرجال في الجزيرة العربية ومناطق عربية أخرى.

ومن المهم التوقف عند بعض الروايات التي تذهب إلى أن العقال يعود إلى آلاف السنين، وتربطه مباشرة بالعصور القديمة جدًا، بل إن بعض الروايات الصحفية الشعبية ذهبت إلى تحديد تواريخ بعيدة للغاية لظهوره. وهذه الروايات تستحق الدراسة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى حقائق تاريخية قطعية ما لم تسندها أدلة أثرية واضحة، كتماثيل أو نقوش أو رسوم يمكن تحديد تاريخها وتفسيرها بصورة علمية، وتظهر فيها هيئة يمكن إثبات أنها تمثل العقال بالمعنى المعروف.

وهنا تظهر أهمية النقوش والآثار القديمة في دراسة تاريخ الزي العربي. فالفن الآشوري والبابلي والنبطي والتدمري والعربي الجنوبي وغيرها من التقاليد الفنية القديمة تقدم صورًا عديدة لرجال ونساء بأغطية للرأس، وبعضها يكشف عن عصائب وأقمشة وأشكال مختلفة من التغطية. إلا أن الانتقال من هذه الصور إلى القول إن أحدها يمثل «الغترة والعقال» بصورتهما الحالية يحتاج إلى قرائن إضافية، لأن الفنان القديم قد يصور غطاءً أو عصابة أو عمامة تختلف في مادتها وطريقة استخدامها عن الزي الحديث.

ومع ذلك، فإن هذه الشواهد تؤكد حقيقة أكثر عمقًا، وهي أن تغطية الرأس وربط الغطاء أو تثبيته كانت جزءًا من تقاليد اللباس في الشرق الأدنى والجزيرة العربية منذ عصور بعيدة. ومن ثم فإن الغُترة والعقال يمكن النظر إليهما ضمن تاريخ طويل ومتصل لتطور أغطية الرأس العربية، مع ضرورة عدم الادعاء بأن الشكل الحديث كان موجودًا بالهيئة ذاتها قبل آلاف السنين من دون دليل مباشر.

أما الشماغ الأحمر والأبيض، فهو بدوره جزء من تقاليد أغطية الرأس العربية، لكنه ليس مطابقًا للغترة البيضاء من حيث اللون والنقوش والتقاليد المحلية. وقد اختلف انتشار الألوان والأنماط من منطقة إلى أخرى، كما تأثرت الأزياء العربية بالحركة التجارية والسياسية والاجتماعية بين مناطق الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام وغيرها. ولذلك فإن محاولة وضع تاريخ واحد موحد لجميع هذه الأشكال قد تؤدي إلى تبسيط تاريخ أكثر تعقيدًا.

وفي الجزيرة العربية، أخذت الغترة والعقال مكانتهما بصورة تدريجية حتى أصبحا من أبرز ملامح الزي الرجالي، ولا سيما خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. ومع تطور الدولة السعودية الحديثة وترسخ المؤسسات الاجتماعية والإدارية، أصبح الزي التقليدي أكثر وضوحًا واستقرارًا في صورته العامة، وأصبحت الغترة والعقال جزءًا من الصورة المميزة للرجل السعودي، إلى جانب الثوب والبشت في المناسبات المختلفة.

ولم يعد العقال مجرد وسيلة عملية لتثبيت الغطاء، بل اكتسب بعدًا اجتماعيًا وثقافيًا، وأصبح جزءًا من الهيئة العامة للرجل العربي. وكذلك لم تعد الغترة مجرد قطعة قماش تؤدي وظيفة حماية الرأس من الشمس والغبار، وإنما أصبحت تحمل دلالات مرتبطة بالهوية والانتماء والعادات والتقاليد، وهو ما يفسر استمرار حضورها حتى في عصر الملابس الحديثة.

ومن اللافت أن العقال والغترة لم يقتصرا على منطقة واحدة من الجزيرة العربية، بل ظهرت أشكال مختلفة من أغطية الرأس والعقال في مناطق واسعة من العالم العربي. وهذا الانتشار يؤكد أن الزي العربي ليس نتاج لحظة تاريخية واحدة، بل هو حصيلة تراكم طويل من العادات والمواد والوظائف والرموز الاجتماعية التي أعادت المجتمعات تشكيلها بما يتلاءم مع ظروفها المحلية.

وعليه، فإن القول بأن الغترة والعقال «حديثان» بمعنى أنهما ظهرا في زمن قريب فقط سيكون تبسيطًا مخلًا، كما أن القول بأنهما بالشكل الحالي نفسه يعودان إلى آلاف السنين دون أدلة أثرية مباشرة هو أيضًا تجاوز لما تسمح به المصادر. والمنهج الأكثر دقة هو النظر إليهما بوصفهما نتاجًا تاريخيًا لتقاليد عربية قديمة في تغطية الرأس وتثبيت الغطاء، تطورت أشكالها وموادها وأسماؤها عبر القرون حتى وصلت إلى الصورة التي نعرفها اليوم.

إن تاريخ الغترة والعقال، في جوهره، ليس تاريخ قطعتين من القماش والحبل فحسب، بل هو جزء من تاريخ الإنسان العربي مع بيئته؛ فالشمس والحرارة والغبار والرياح فرضت الحاجة إلى حماية الرأس والوجه، ثم تحولت هذه الحاجة العملية مع مرور الزمن إلى عادة اجتماعية، ثم إلى مظهر من مظاهر الهوية الثقافية. ولهذا بقيت الغترة والعقال حاضرين بقوة رغم تغير أنماط الحياة وتطور الأزياء.

ومن هنا يمكن القول إن القيمة التاريخية للغترة والعقال لا تتوقف على إثبات تاريخ محدد لأول ظهور لهما، بل تكمن في كونهما يمثلان استمرارًا لتقاليد اللباس في الجزيرة العربية، حيث أعادت الأجيال المتعاقبة تشكيل أغطية الرأس بما يلائم البيئة والذوق والعرف الاجتماعي. أما تحديد أصولهما القديمة بصورة قاطعة، فيحتاج إلى مزيد من البحث في النقوش والتماثيل واللقى الأثرية والمصادر العربية القديمة، مع الفصل الدقيق بين الدليل التاريخي والرواية الشعبية.

وفي النهاية، تظل الغُترة والعِقال من أبرز الرموز البصرية للهوية العربية في الجزيرة العربية، وقد تجاوزا وظيفتهما الأصلية ليصبحا جزءًا من الذاكرة الاجتماعية والثقافية. وإذا كانت تفاصيل نشأتهما الأولى لا تزال بحاجة إلى دراسة أثرية وتاريخية أكثر حسمًا، فإن المؤكد أن تقاليد تغطية الرأس وتثبيته تمتد عميقًا في تاريخ المنطقة، وأن الشكل المعاصر للغترة والعقال هو خلاصة مسار طويل من التطور الذي جمع بين مقتضيات البيئة العربية وبين العادات والهوية والرمزية الاجتماعية.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

حين يشيخ القلب قبل العمر

  بقلم: عبدالله شراحيلي ليس العمر هو ما يشيّخنا دائمًا، ولا السنوات وحدها هي التي تترك تجاعيدها على أرواحنا. ثمة أشياء لا تُرى، لكنها تفعل في القلب ما تفعله الأعوام في الوجه؛ خيبةٌ تأتي من حيث وثقنا، وفقدٌ يسرق من الروح جزءًا لا يعود، وانتظارٌ طويل يجعل الإنسان يتعب من الأمل قبل أن يصل إليه. لهذا قد تلتقي بإنسانٍ لم يتجاوز عمره الأربعين، فتشعر أنك أمام…

ميادة العمرية.. حين تتحول الحكاية إلى أثر

  بقلم: مزنة بنت سعيد البلوشية كاتبة عمانية هناك أناسٌ لا يكتبون لأن الكلمات غايتهم، بل لأن في أرواحهم شيئًا يستحق أن يُروى، ولأنهم يؤمنون أن الحرف حين يُكتب بصدق، يستطيع أن يعبر المسافة بين قلبٍ وقلب، وأن يترك في الذاكرة نافذةً لا تُغلق. ومن بين تلك الأرواح التي اختارت للكلمة طريقًا، وللحكاية وطنًا، تبرز الكاتبة والروائية العُمانية ميادة بنت رامس عبدالله العمرية؛ امرأةٌ جعلت من…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

حين يشيخ القلب قبل العمر

حين يشيخ القلب قبل العمر

مهرجان الغردقة لسينما الشباب يطلق قسما ل” صوت السينما” ..وحمادة هلال أول المكرمين   

مهرجان الغردقة لسينما الشباب يطلق قسما ل” صوت السينما” ..وحمادة هلال أول المكرمين   

ميادة العمرية.. حين تتحول الحكاية إلى أثر

ميادة العمرية.. حين تتحول الحكاية إلى أثر

الغُترة والعِقال.. من غطاء الرأس العربي القديم إلى رمز الهوية في الجزيرة العربية

الغُترة والعِقال.. من غطاء الرأس العربي القديم إلى رمز الهوية في الجزيرة العربية

طموح التحول الاقتصادي السعودي: هل تستطيع المملكة دخول نادي أكبر خمسة اقتصادات في العالم؟

طموح التحول الاقتصادي السعودي: هل تستطيع المملكة دخول نادي أكبر خمسة اقتصادات في العالم؟

مجالس الفقه.. أحكام الجنائز والتعزية للخثلان

مجالس الفقه.. أحكام الجنائز والتعزية للخثلان

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode