بقلم: مزنة بنت سعيد البلوشية
كاتبة عمانية
هناك أناسٌ لا يكتبون لأن الكلمات غايتهم، بل لأن في أرواحهم شيئًا يستحق أن يُروى، ولأنهم يؤمنون أن الحرف حين يُكتب بصدق، يستطيع أن يعبر المسافة بين قلبٍ وقلب، وأن يترك في الذاكرة نافذةً لا تُغلق.
ومن بين تلك الأرواح التي اختارت للكلمة طريقًا، وللحكاية وطنًا، تبرز الكاتبة والروائية العُمانية ميادة بنت رامس عبدالله العمرية؛ امرأةٌ جعلت من الأدب مساحةً لاكتشاف الإنسان، ومن الكتابة جسرًا يصل بين الفكرة والمشاعر، وبين الموهبة والمسؤولية.
ميادة ليست ابنةَ نصٍّ واحد، ولا أسيرةَ جنسٍ أدبي بعينه؛ فهي كاتبةٌ وروائيةٌ تنقلت بين القصة القصيرة، والرواية، والخاطرة، والمقال، حتى أصبح الحرف لديها أشبه بمرآةٍ ترى فيها الحياة تفاصيلها الصغيرة، تلك التفاصيل التي قد تمر بنا عابرةً، لكنها حين تقع في يد كاتبةٍ تعرف كيف تُصغي إليها، تتحول إلى حكاية.
بدأت رحلتها الأدبية منذ عام 2010، ولم تكن السنوات بالنسبة إليها مجرد أرقامٍ في مسيرة، بل محطاتٍ تراكمت فيها التجربة، واتسعت معها الرؤية، ونضجت خلالها علاقتها بالكتابة. فكانت حاضرةً في المشهد الأدبي والثقافي، ناشرةً نتاجها في الصحافة والمنصات الأدبية، ومشاركةً في الفعاليات والملتقيات، حتى غدت تجربتها شاهدةً على أن الكاتب الحقيقي لا يكتفي بأن يكتب، بل يظل في حالة بحثٍ دائم عن سؤالٍ جديد، وفكرةٍ جديدة، وطريقٍ جديد إلى القارئ.
وفي روايتها للناشئة «بلورات ضوئية»، الصادرة عام 2020، تفتح نافذةً على عالمٍ يستطيع فيه الأدب أن يخاطب الأجيال الجديدة بلغتها، وأن يمنح الخيال فرصةً للنمو، ثم جاءت مجموعتها القصصية «يحدث الآن» الصادرة عام 2026، لتؤكد استمرار هذا الحضور، وتكشف عن تجربةٍ تتقدم بخطى واثقة نحو فضاءاتٍ أوسع في السرد والحكاية.
ولأن الأدب عندها ليس فعلًا فرديًا منعزلًا، امتدت يدها إلى المشهد الثقافي الجماعي، فأسهمت في إعداد الكتاب الجماعي «ظلال اللبان»، الذي جمع نتاج عددٍ من الأقلام من محافظة ظفار في أجناسٍ أدبية مختلفة؛ وكأنها بذلك تؤمن بأن الأدب حين تتعدد أصواته، يصبح أكثر قدرةً على رسم ملامح المكان والإنسان.
لكن أجمل ما في تجربة ميادة العمرية أن علاقتها بالكتابة لم تتوقف عند حدود الورق؛ فقد اختارت أن تمنح الآخرين مفاتيح الدخول إلى عالم الإبداع، فكانت مدربةً ومحاضرةً في عددٍ من الورش الثقافية والأدبية، وقدمت ورشًا في القصة القصيرة والكتابة الإبداعية والومضة القصصية، وامتد عطاؤها إلى الأطفال وطلبة المدارس وذوي الإعاقة، إيمانًا منها بأن الموهبة لا ينبغي أن تبقى حبيسة صاحبها، بل تحتاج إلى من يوقظها، ويمنحها الثقة، ويقول لها: اكتب… فربما كانت حكايتك هي الحكاية التي ينتظرها أحدهم.
وفي هذا الجانب تحديدًا، تتجاوز ميادة صورة الكاتبة إلى صورة المعلمة التي تزرع الحرف؛ فهي لا تكتفي بأن تصنع نصًا جميلًا، وإنما تحاول أن تصنع قارئًا، وكاتبًا، وإنسانًا قادرًا على التعبير عن ذاته. وذلك هو الأثر الذي لا تقيسه الجوائز، ولا تختصره الشهادات.
وقد جاءت الجوائز والتكريمات لتضيء بعض محطات هذه الرحلة؛ من المركز الثاني في مسابقة القيصر الدولية لكتابة الخاطرة الأدبية عام 2025، إلى حصولها عام 2026 على المركز الخامس في مسابقة القصة القصيرة جدًا الدولية، والمركز الثالث عشر في مسابقة المقالة الدولية، إلى جانب تكريمها تقديرًا لجهودها الثقافية والأدبية، وحصولها على جوائز ومراكز متقدمة في مسابقات القصة القصيرة جدًا والومضات الأدبية.
غير أنني أرى أن أجمل جائزةٍ للكاتب ليست تلك التي توضع على رف، ولا الشهادة التي تُعلّق على جدار؛ إنما هي النص الذي يبقى في قلب قارئٍ بعد أن ينتهي من قراءته، والفكرة التي تجعله يتوقف، والدهشة التي تجعله يعود إلى السطر مرةً أخرى.
ومع حضورها في المشهد الإعلامي والثقافي، من خلال اللقاءات والاستضافات التلفزيونية عبر قناة عُمان الثقافية، يتسع حضورها من الصفحة إلى الشاشة، ومن النص إلى الحوار، لتصبح الكلمة عندها وسيلةً للحضور والتواصل، لا مجرد وسيلةٍ للكتابة.
إن ميادة العمرية تنتمي إلى ذلك الجيل من الكاتبات اللواتي أدركن أن الثقافة ليست ترفًا، وأن الأدب ليس كلماتٍ جميلة تُقال ثم تُنسى؛ بل هو مسؤولية تجاه الإنسان والمكان والذاكرة. ولهذا حملت تجربتها أكثر من وجه: وجه الكاتبة، ووجه الروائية، ووجه المدربة، ووجه المثقفة التي تؤمن بأن المعرفة حين تُمنح للآخرين تتضاعف ولا تنقص.
هي من صنعت من الحرف ممرًا، ومن القصة نافذةً، ومن التدريب رسالةً، ومن حضورها الثقافي أثرًا يتجاوز حدود النص.
وفي ظفار، حيث للضباب حكاياته، وللبخور ذاكرته، وللمكان قدرةٌ عجيبة على إنجاب الشعر والحكاية، تمضي ميادة العمرية حاملةً قلمها، وكأنها تقول لنا إن لكل إنسان قصةً تستحق أن تُروى، وإن بعض الحكايات لا تولد على الورق، بل تولد أولًا في القلب، ثم تبحث عن يدٍ أمينةٍ تمنحها الحياة.
ميادة العمرية… ليست كاتبةً تكتب عن الحكاية فحسب، بل كاتبةٌ تؤمن بأن الحكاية قادرةٌ على أن تغيّر شيئًا فينا.
وما أجمل أن يكون للإنسان أثرٌ يشبهه؛
هادئًا في حضوره، عميقًا في معناه،
ويبقى بعد أن ينتهي الكلام.
فلكِ من الحرف تحية، ومن الأدب تقدير، ومن القلم أمنية بأن تظل حكاياتكِ تمضي إلى حيث لا تصل الكلمات وحدها، بل تصل الأرواح.







