بقلم الإعلاميه : آمال مطر – مكة المكرمة:
في زمن أصبحت فيه الصورة أسرع من الحقيقة والحضور أسهل من صناعة الأثر برزت ظاهرة تستحق التوقف عندها: الرغبة المتسارعة لدى بعض الأفراد في الوصول إلى المناصب وحصد المسميات والظهور في الواجهة قبل أن يكتمل رصيد التجربة والإنجاز
لم يعد البعض يسأل: ماذا قدمت؟
بل أصبح السؤال: ما المسمى الذي أحمله؟ وما المنصب الذي وصلت إليه؟ وكيف أظهر أمام الآخرين؟
وهنا تبدأ المشكلة
فالمنصب ليس وجاهة اجتماعية واللقب ليس شهادة تفوق والمسمى الوظيفي لا يمنح صاحبه تلقائيًا قيمة مهنية أو قيادية المناصب تكليف قبل أن تكون تشريفًا والمسميات مسؤولية قبل أن تكون عنوانًا يُضاف إلى الاسم
الطموح في حد ذاته أمر جميل بل هو أحد أهم محركات النجاح لكن الطموح الحقيقي لا يقفز فوق المراحل ولا يبحث عن أقصر طريق إلى الواجهة وإنما يبني نفسه خطوة بعد خطوه علمًا وتجربة وعطاءً وعلاقات مهنية قائمة على الاحترام ثم يأتي التقدير نتيجة طبيعية لهذا المسار
المؤسف أن بعض الأشخاص قد ينشغلون بجمع الألقاب أكثر من جمع الخبرات وبالحضور في المناسبات أكثر من الحضور في مواقع الإنجاز وبصناعة الصورة أمام الآخرين أكثر من صناعة قيمة حقيقية على أرض الواقع
وبل أضافة لشخصهم انجازات
بالاعتماد فيها على الآخرين ونسبها لهم
والأخطر من ذلك أن يتحول المنصب إلى غاية بدل أن يكون وسيلة لخدمة الناس وتطوير العمل وتحقيق الأثر
فالمنصب الذي لا يضيف لصاحبه خبرة ولا يضيف للمؤسسة قيمة ولا يترك خلفه أثرًا يبقى مجرد مسمى
وفي المقابل، هناك أشخاص يعملون في صمت لا يطاردون الأضواء ولا يطلبون أن تُكتب أسماؤهم في كل مكان لكن أعمالهم تتحدث عنهم وحين تأتيهم المناصب تأتي لأنهم أصبحوا أهلًا لها لا لأنهم بحثوا عنها بأي وسيلة
وهنا يكمن الفرق بين من يريد أن يُرى ومن يستحق أن يُرى
إن المؤسسات الناجحة لا تحتاج إلى كثرة الألقاب بقدر حاجتها إلى أصحاب الكفاءة ولا تحتاج إلى من يبحث عن الواجهة بقدر حاجتها إلى من يتحمل المسؤولية خلفها والعمل باخلاص وأمانه
فالمكانة الحقيقية لا تُمنح ببطاقة ولا تُصنع بمسمى ولا تُقاس بعدد المناصب التي تزين السيرة الذاتية
المكانة تُبنى بالإنجاز وتُثبت بالمواقف وتكبر بالأثر
لذلك، قبل أن يسأل الإنسان: متى أصل إلى المنصب؟
ربما عليه أن يسأل نفسه أولًا:
هل أصبحت مستعدًا له؟
وماذا سأضيف إليه؟
وماذا سيبقى مني بعد أن أغادره؟
فالألقاب قد ترفع الاسم لفترة
لكن الأثر وحده هو الذي يرفع قيمة الإنسان في ذاكرة الناس
وفي النهاية ليس المهم كم منصبًا حملت ولا كم لقبًا سبق اسمك
المهم كم إنجازًا تركت وكم أثرًا صنعت وكم إنسانًا استفاد من وجودك
فحين ينتهي بريق المنصب يبقى الإنجاز شاهدًا
ومن يصنع الأثر لا يحتاج إلى أن يطلب من الآخرين أن يروه








