الإعلامي/ خضران الزهراني
في وادٍ بعيد، تحيط به الجبال من كل جانب، كان هناك مكان يُعرف باسم وادي الذئاب؛ وادٍ غامض لا يدخله أحد إلا وعاد منه وهو يحمل في قلبه حكاية.
وكانت تعيش في أطراف الوادي امرأة غامضة تُدعى أم شرشر، اشتهرت بقسوة قلبها وشدة مكرها، حتى صار أهل الوادي يخافون من ذكر اسمها.
كانت تظن أن القوة في الظلم، وأن الخوف هو الطريق إلى السيطرة، ففرّقت بين الناس، وأشعلت الخصومات، وجعلت القلوب التي كانت متحابة تتباعد.
لكن أم شرشر كانت تخفي سرًا لم يعرفه أحد…
ففي ليلة شديدة البرودة، جلست وحيدة أمام نار صغيرة، وأخرجت من صندوق قديم صورة لطفل صغير، ثم بدأت دموعها تنزل بصمت.
ذلك الطفل كان ابنها الذي فقدته قبل سنوات طويلة.
كانت قد أمضت عمرها تنتقم من الدنيا، حتى نسيت أن قلبها كان يومًا يعرف الرحمة.
وفي صباح اليوم التالي، اجتمع أهل الوادي عليها، بعدما اكتشفوا كل ما فعلته من ظلم.
وقفت أم شرشر أمامهم صامتة، لا تجد كلمة تدافع بها عن نفسها.
قال لها شيخ الوادي:
“لقد أخفتِ الناس طويلًا، ولكنك لم تستطيعي أن تهزمي الحقيقة.”
رفعت رأسها، ونظرت إلى السماء، ثم قالت بصوت مكسور:
“كنت أظن أنني أعاقب العالم… فاكتشفت أنني كنت أعاقب نفسي.”
ثم أعادت الصورة إلى صدرها، ومضت وحدها نحو آخر الوادي.
وفي تلك الليلة هطلت الأمطار بغزارة، وانقطع الطريق المؤدي إلى الوادي.
وعندما جاء الصباح، وجد أهل الوادي صندوقها القديم قرب شجرة عتيقة، وبداخله الصورة ورسالة قصيرة كتبت فيها:
“إذا قرأتم رسالتي، فلا تتذكروني بالشر… تذكروا أن الإنسان قد يضيع حين يملأ قلبه بالحقد، وقد يعود إلى الصواب، ولكن بعض الطرق إذا طال فيها المشي لا يبقى في نهايتها إلا الندم.”
ومنذ ذلك اليوم تغيّر وادي الذئاب.
عاد المتخاصمون إلى بعضهم، وتصالح الأب مع ابنه، وعاد الجيران يتبادلون السلام.
أما أم شرشر…
فلم يعرف أحد أين انتهى بها الطريق.
لكن أهل الوادي ظلوا يقولون:
“ليست كل نهاية موتًا… أحيانًا تكون النهاية أن يعيش الإنسان بقلبٍ يحمل كل ما فعل، ولا يستطيع أن يهرب من ذاكرته.”
وهكذا انتهت حكاية أم شرشر…
نهاية حزينة، لا تبكي العين وحدها، بل تجعل الحجر لو كان له قلبًا لبكى.







