عبدالله شراحيلي
ليس الإنسان سيدًا على قلبه حين يحب، ولا يملك أن يأمر مشاعره أن تأتي في ساعةٍ يريدها، أو أن ترحل حين يضيق بها الطريق. فالحب في بداياته يشبه المطر؛ لا يستأذن نافذةً، ولا يطرق بابًا، وإنما يهطل فجأةً، فتخضرّ في الروح أشياء لم نكن نعلم أنها ما زالت حيّة.
قد يلتقي الإنسان شخصًا في مصادفة عابرة، ثم لا تلبث تلك المصادفة أن تتحول إلى حكاية، وتتحول الحكاية إلى ألفة، وتصبح الألفة شيئًا من القلب لا يستطيع المرء أن يفسره. وهنا ندرك أن بعض الأشخاص يدخلون حياتنا دون موعد، وكأن للقدر يدًا خفيةً رتبت اللقاء، وجعلت من لحظة عابرة بدايةً لشعور طويل.
لكن المشكلة ليست في أن نحب، وإنما في أن نعرف متى يكون الحب حياةً، ومتى يصبح استمرارًا يؤذي الحياة.
فوجود إنسان في حياتك قد يكون نصيبًا، أما بقاؤه فيها فليس دائمًا كذلك. قد تجمعنا الأقدار بمن نحب، ثم تضعنا الأيام أمام امتحانٍ لا يشبه البدايات الجميلة. تتغير الظروف، وتتباعد الأرواح، وتكثر الخيبات، ويصبح الطريق الذي كان يومًا مليئًا بالورد محفوفًا بالأشواك.
وعندها يأتي أصعب سؤال:
هل نتمسك بما أحببناه، أم نمتلك شجاعة الرحيل؟
الحقيقة أن القلب لا يملك زرًا لإطفاء الحب. قد تقرر الرحيل، بينما يبقى الحنين في مكانه. وقد تغلق الأبواب، فيما تظل بعض الذكريات مفتوحةً في أعماقك. وقد تنسى الملامح مع مرور الأيام، لكنك تحتاج وقتًا أطول حتى تنسى الشعور الذي تركه صاحبها فيك.
ولهذا فإن النسيان ليس خيانةً للحب، والرحيل ليس دائمًا دليلًا على انطفائه.
أحيانًا نرحل لأننا أحببنا أنفسنا بما يكفي كي لا نسمح لها بأن تتحول إلى ظلٍّ من الخذلان. نرحل حين يصبح البقاء استنزافًا، وحين يتحول الانتظار إلى وجع، وحين يصبح حضورنا في حياة الآخر أشبه بوقوفنا طويلًا أمام بابٍ لا يُفتح.
ليس كل من أحببناه كُتب له أن يبقى.
بعض الأشخاص يأتون ليمنحونا درسًا، وبعضهم ليمنحونا ذكرى، وبعضهم ليوقظوا فينا قلبًا كان نائمًا، ثم يمضون. وليس معنى رحيلهم أن وجودهم كان خطأ؛ فقد تكون بعض العلاقات جميلةً في وقتها، عظيمةً في أثرها، لكنها ليست صالحةً للاستمرار.
وهنا تظهر مسؤولية الإنسان.
المشاعر قد تأتي بلا استئذان، لكنها لا تعفي الإنسان من مسؤولية قراراته.
فأنت لا تختار من يميل إليه قلبك، لكنك تختار كيف تحب، وكيف تحفظ كرامتك، ومتى تتوقف، ومتى تقول: لقد حاولت بما يكفي.
الحب الحقيقي لا يعني أن تفقد نفسك في الآخر، ولا أن تجعل حياتك معلقةً على حضور شخصٍ واحد. الحب الناضج هو أن تحب بقلبك، لكنك لا تلغي عقلك؛ أن تمنح، لكن دون أن تستنزف؛ أن تصبر، لكن دون أن تهدر عمرك في انتظار ما لا يأتي.
وحين يصبح الرحيل هو الطريق الوحيد إلى السلام، فإن الرحيل ليس هزيمة، بل شجاعة.
فثمة أبواب لا ينبغي أن نبقى نطرقها إلى الأبد، وثمة أشخاص لا ينبغي أن نثبت لهم قيمتنا كل يوم، وثمة علاقات يكون أجمل ما نقدمه لها هو أن نتركها تنتهي دون كراهية، ودون تشويه للذكريات.
ربما لا نستطيع أن نختار البدايات، لكننا نستطيع أن نختار النهايات التي تحفظ لنا ما تبقى من القلب.
ولعل أجمل ما يتعلمه الإنسان مع مرور العمر أن النصيب يجمعنا، لكن الوعي يقرر لنا من يستحق البقاء. وأن القلب قد يقودنا إلى من نحب، لكن العقل والنضج هما من يحددان إن كان الطريق معه يستحق أن نكمله.
وفي النهاية، ليست كل قصة حب كُتبت لتدوم، وليس كل رحيل يعني أن الحب كان كاذبًا.
فبعض الأحبة يبقون في القلب، حتى بعد أن يغادروا الحياة اليومية؛ لا لأننا ننتظر عودتهم، وإنما لأنهم كانوا فصلًا صادقًا من كتاب العمر.
نحبهم كما أحببناهم، ونحفظ لهم الجميل، ثم نمضي.
فالحياة لا تتوقف عند بابٍ أُغلق، والقلب الذي عرف الحب مرةً يستطيع أن يتعلم السلام.








