من أبراج الوهم إلى أرض الحقيقة

الإعلامي/عادل بن محمد البكري

في رحلة الحياة قد يصعد الإنسان إلى قمم النجاح، وقد تفتح له الأيام أبوابًا من التقدير والمكانة، لكن أعظم اختبار يواجهه ليس الوصول إلى القمة، بل المحافظة على إنسانيته وهو يقف عليها.

فبعض النفوس حين تلامس النجاح تنسى أن القمة تحتاج إلى ( تواضعٍ يحميها ) فتبدأ ببناء أبراجٍ من الوهم، جدرانها من الغرور، ونوافذها تطل على الآخرين بنظرةٍ من التعالي.

ومع مرور الوقت، يظن صاحبها أن ارتفاعه عن الناس هو دليل قوته،

“بينما الحقيقة أن الإنسان لا يُقاس بعلوّه فوق الناس، بل بسمو أخلاقه بينهم.

فالغرور والكبر لا يولدان من عظمة حقيقية، بل قد يكونان نتيجة مديحٍ متكرر بلا توجيه، أو شعورٍ مبالغ فيه بالتميز، أو رفضٍ للنصيحة، أو نسيانٍ بأن لكل إنسان قيمته ومكانته.

وعندما يغلق الإنسان أبواب المراجعة على نفسه، يبدأ في العيش داخل صورةٍ صنعها عن ذاته.

لكن أبراج الوهم لا تبقى شامخة إلى الأبد، فهناك لحظة تأتي فيها رياح الحقيقة، فتلامس تلك الجدران المصنوعة من الغرور، وتبدأ الشقوق بالظهور بهدوء.

وهنا يظهر دور التواضع؛ فهو ليس مجرد صفة عابرة، بل هو الحارس الشخصي لكل إنسان ناجح، يرافقه في رحلة الإنجاز، ويحميه من الغرور والتعالي والكبر، ويذكره دائمًا بأن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا بحسن الخلق وقرب الإنسان من الآخرين.

فالتواضع يحفظ للإنسان مكانته، ويجعله أكثر قبولًا بين الناس، ويمنحه القدرة على التعلم والاستماع، فهو الدرع الذي يحمي النجاح من أن يتحول إلى وهم، والحصن الذي يحفظ للإنسان قيمته مهما ارتفعت مكانته.

ثم تأتي لحظة انكشاف الوهم أمام الحقيقة؛ حين يدرك الإنسان أن ما بناه من تصورات عن ذاته لا يمكن أن يكون أقوى من الواقع، وأن الإنسان لا يُقاس بارتفاعه عن الآخرين، بل بما يتركه من أثر جميل في حياتهم.

إن أقسى لحظة يمر بها المغرور ليست لحظة فقدان المكانة، بل لحظة اكتشافه أن ما كان يظنه قوة لم يكن إلا حاجزًا بينه وبين الناس، وأن الاحترام الذي ظن أنه يملكه لم يكن إلا صورة مؤقتة، لا تبقى إلا بالتواضع ونقاء السريرة.

وعندما يقف الإنسان على أرض الواقع، بعيدًا عن أبراج الوهم، يرى الحياة بوضوح أكبر؛ يدرك أن النجاح بلا تواضع ناقص، وأن القوة بلا رحمة تفقد الإنسان أجمل ما فيه، وأن الإنسان مهما ارتفع يحتاج دائمًا إلى قلوبٍ تحبه لا إلى مسافاتٍ تفصله عن الآخرين.

فالغرور مهما ارتفع له نهاية، والكبر مهما طال يزول أمام دروس الحياة.

أما الإنسان المتواضع فيبقى عالي المكانة؛ لأن العظمة الحقيقية ليست أن يقف الإنسان فوق الجميع، بل أن يكون كبيرًا بأخلاقه، جميلًا بأثره، وقريبًا من قلوب من حوله.

وفي النهاية

ستتلاشى أبراج الوهم أمام حقيقة الحياة، وسيبقى الإنسان بما زرعه في قلوب الآخرين من احترامٍ ومحبة، فالقيمة الحقيقية لا تُقاس بالمظاهر، بل بسموّ الأخلاق وجمال الأثر الذي يبقى شاهدًا على إنسانية صاحبه مهما تغيّرت الظروف وتعاقبت الأيام.

صدي نيوز اس 6

Related Posts

قلوب لا تعرف الفرح

مرشدة يوسف فلمبان (كاتبة سعودية) عالم البشر يتأرجح بين أفراح وأحزان بين ضحكة ودمعة.. ثمة فئات في بعض مجتمعاتنا متعبة كوطن أرهقه جبروت الإحتلال.. ممزقة الكيان.. مهترئة مثل دار قديمة آيلة للتصدع والإنهيار والسقوط.. مجروحة كحنجرةأهلكها شهيق التوجع والبكاء الخانق.. ففي قلب الأحداث وددت لونشعلها حربََا نحن أبناء الوطن على من يهوى تحطيم كيان بعض الضعفاء من البشر.. كأنهم يهمون بدق طبول حرب إجتماعية تزمجر في…

واقع الإعلام الرياضي

عبدالله الميمان بين الوعي المهني وصناعة التعصب تتأرجح بعض البرامج الرياضية في منطقة رمادية بين دورين يصعب الفصل بينهما تماماً: دور الإعلام، المفترض فيه الحياد والتحليل الموضوعي، ودور التشجيع صانع الحماس وباني الانتماء، وذلك في ظل غياب المعايير المهنية الحقيقية. وهذا توصيف لحالات قائمة، لا تعميم على المشهد كله. وكثيراً ما يرتدي بعض الضيوف الإعلاميين عباءة المشجع المتحمس لجمهور فريقه؛ فيكيل المديح ويعظّم إنجازات ناديه، وإن…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

من أبراج الوهم إلى أرض الحقيقة

من أبراج الوهم إلى أرض الحقيقة

قلوب لا تعرف الفرح

قلوب لا تعرف الفرح

الشاشات تسرق طفولتهم.. والعائلة تدفع الثمن

الشاشات تسرق طفولتهم.. والعائلة تدفع الثمن

واقع الإعلام الرياضي

واقع الإعلام الرياضي

شجرة الضياء وبدرُ جازان في سماء الكلمة ليلة استثنائية مع الشاعر /حسن الصلهبي

شجرة الضياء وبدرُ جازان في سماء الكلمة ليلة استثنائية مع الشاعر /حسن الصلهبي

هكذا تكون الرموز..في القلوب

هكذا تكون الرموز..في القلوب

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode