من أنتَ حين تكون وحدك

 

الكاتبة/ وجنات صالح ولي

رغم أنك مع الجميع… هذه أغرب أنواع الوحدة ليست أن تكون وحيداً في غرفة فارغة، بل أن تكون في وسط الزحام، تضحك، وترد على الرسائل، وتجامل، وبداخلك شخص آخر جالس في زاوية لا أحد يراه؛ أنت تعيش حياة مزدوجة وأنت لا تدري. هناك أنتَ الذي يراه الناس:

إجتماعي، قوي، “أمورك تمام”، وهناك أنتَ الذي تراه أنت بذاته الحقيقية: شخص قلق، يفكر كثيراً، يعيد المشهد في رأسه مئة مرة بعد أن انتهى. تكون مع أصدقائك جسداً، لكن عقلك في مكان آخر، يسألونك: “وش فيك سرحان؟” فتقول: “لا، ولا شيء”، بينما في داخلك معركة كاملة؛ معركة بين ما تريد أن تكونه، وما يُطلب منك أن تكونه، بين قلبك الذي يريد أن يصرخ: أنا متعب، وبين لسانك الذي يقول: أنا بخير. هذا هو صراعك الحقيقي، ليس مع الناس، بل مع نفسك وأنت بين الناس.

القلق ليس خوفاً من شيء واضح، لو كان واضحاً لهان؛ القلق هو أن تشعر أن هناك شيئاً سيحدث، لكنك لا تعرف ما هو، هو ضيق في صدرك الساعة الثالثة عصراً دون سبب، وهو أن تفتح جوالك كل دقيقة، ليس لأنك تنتظر شيئاً، بل لأنك لا تستطيع أن تبقى مع أفكارك وحدك لثانية، هو توتر يجتاحك لأنك تشعر أنك متأخر عن شيء ما، متأخر عن حياتك نفسها، بينما الجميع يبدو أنه وصل. والمؤلم أنك لا تستطيع أن تشرح هذا لأحد؛ لأنك لو شرحته سيقولون لك: “لا تكبر الموضوع”، وهم لا يعلمون أن الموضوع كبر في داخلك حتى صار أكبر منك.

من أنت في هذه اللحظة؟ أنت لست قلقك، ولا أفكارك المتوترة، ولست تلك القصة التي تحكيها لنفسك كل ليلة وتخبر ذاتك بأنك شخص غير كافٍ؛ أنت الوعي الذي يرى كل هذا يحدث دون أن يتحدث. تخيل أن عقلك سماء، وأفكارك مجرد غيوم سوداء تمر، وهذه الغيوم ليست السماء، بل قلق وتخيلات غير صحيحة، لكنك تتخيلها. أنت الإنسان الذي، رغم كل هذا الضجيج الداخلي، لا يزال يحاول؛ يحاول أن يكون لطيفاً، أن ينجز، أن يحب، وأن لا يسقط، وهذه المحاولة بحد ذاتها بطولة لا يراها أحد.

ماذا تفعل بهذه الوحدة؟ حين تكون مع الجميع وتشعر أنك وحيد، لا تعاقب نفسك، اسأل نفسك بهدوء: ماذا أحتاج الآن حقاً؟ هل أحتاج حضناً؟ أم أحتاج أن أبكي دون أن أشرح؟ أم أحتاج فقط أن أغلق الباب علي وأمارس طقوسي وأصمت؟ وحدتك ليست عدوك، وحدتك رسالة من نفسك إليك تقول: “لقد انشغلت بالجميع ونسيتني، عد إلي”. عد إليك؛ اقرأ شيئاً تحبه وحدك، امشِ في شارع في مدينتك ليلاً دون هدف، صلِّ ركعتين لا يعلم بهما أحد، وقل فيهما كل شيء لا تستطيع قوله للناس. ستكتشف أن السلام لا يأتي حين يفهمك من حولك بل يأتي حين تفهم أنت نفسك، وتحتضن قلقك بدلاً من أن تحاربه. أنت لست وحدك في هذا الشعور؛ كلنا نحمل نفس الثقب الصغير في القلب، والفرق فقط أن بعضنا تعلم كيف يسد ذلك الثقب بحكمة ويتغير.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

من أبراج الوهم إلى أرض الحقيقة

  الإعلامي/عادل بن محمد البكري في رحلة الحياة قد يصعد الإنسان إلى قمم النجاح، وقد تفتح له الأيام أبوابًا من التقدير والمكانة، لكن أعظم اختبار يواجهه ليس الوصول إلى القمة، بل المحافظة على إنسانيته وهو يقف عليها. فبعض النفوس حين تلامس النجاح تنسى أن القمة تحتاج إلى ( تواضعٍ يحميها ) فتبدأ ببناء أبراجٍ من الوهم، جدرانها من الغرور، ونوافذها تطل على الآخرين بنظرةٍ من التعاليط…

من أبراج الوهم إلى أرض الحقيقة

الإعلامي/عادل بن محمد البكري في رحلة الحياة قد يصعد الإنسان إلى قمم النجاح، وقد تفتح له الأيام أبوابًا من التقدير والمكانة، لكن أعظم اختبار يواجهه ليس الوصول إلى القمة، بل المحافظة على إنسانيته وهو يقف عليها. فبعض النفوس حين تلامس النجاح تنسى أن القمة تحتاج إلى ( تواضعٍ يحميها ) فتبدأ ببناء أبراجٍ من الوهم، جدرانها من الغرور، ونوافذها تطل على الآخرين بنظرةٍ من التعالي. ومع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

سوريا تنفّذ أول عملية دفع دولية عبر «ماستركارد» وQNB

سوريا تنفّذ أول عملية دفع دولية عبر «ماستركارد» وQNB

من أنتَ حين تكون وحدك

من أنتَ حين تكون وحدك

من أبراج الوهم إلى أرض الحقيقة

من أبراج الوهم إلى أرض الحقيقة

شباب الخليج في جنيف.. حضور يترجم طموحات الجيل الجديد

شباب الخليج في جنيف.. حضور يترجم طموحات الجيل الجديد

«رواشين» الثقافي بجمعية أدبي جدة.. نافذة تستعيد ذاكرة المكان وتحكي حكاية المدينة

«رواشين» الثقافي بجمعية أدبي جدة.. نافذة تستعيد ذاكرة المكان وتحكي حكاية المدينة

تامر عاشور ينجح في أولى حفلاته بأبها.. و«هيجيلي موجوع» تستعيد حكايتها مع طريق الحزام

تامر عاشور ينجح في أولى حفلاته بأبها.. و«هيجيلي موجوع» تستعيد حكايتها مع طريق الحزام

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode