دكتور حسن الأمير
في عصر تدفق المعلومات والاتصال اللحظي تحولت منصات التواصل الاجتماعي من مساحات واعدة لتقارب العقول وبناء الجسور المعرفية وتعميق الروابط الإنسانية إلى ميادين مفتوحة للمناكفات والمهاترات اليومية……
ولم يعد الأمر مقتصرًا على خلافات عابرة في وجهات النظر بل تطور المشهد إلى ظاهرة مقلقة تجاوزت فيها السلوكيات الرقمية كل الخطوط الحمراء الأخلاقية منها والاجتماعية والقانونية……..
هذا الواقع الجديد يستدعي وقفة جادة للمكاشفة وإعادة النظر في منظومة القيم التي تحكم تعاملاتنا خلف الشاشات…….
لقد بدلت بعض المنصات الرقمية طريقة تفاعل البشر فخلقت نوعًا من “الجرأة المصطنعة” التي يمنحها الشعور بالخفاء أو الوجود خلف جدار زجاجي……..
هذه الفجوة بين التفاعل الواقعي والافتراضي أدت إلى تلاشي كوابح الحياء والمسؤولية لدى البعض مما جعل منصات التواصل تضج بمشاهد التنمر اللفظي والتشهير وتصيد العثرات وتبادل الاتهامات بل والطعن في النوايا والضمائر……
إن خطورة هذه المهاترات تكمن في أنها لم تعد سلوكًا هامشيًا بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ثقافة عامة يغذيها “البحث عن التفاعل” وحصد المشاهدات (التريند) على حساب الكرامة الإنسانية……….
إن التجاوز الصارخ للخطوط الحمراء يتجلى في أبهى صوره عندما تتحول النقاشات الفكرية
أو الرياضية أو حتى المجتمعية العامة، إلى صراعات شخصية ومناوشات طائفية أو مناطقية تمزق النسيج الاجتماعي……
وبدلاً من أن تكون منصات التواصل وسيلة للارتقاء بالوعي أصبحت ملاذًا للشعبوية وغوغائية الطرح حيث يُحارب الرأي بالشتيمة وتُقابل الحجة بالاستهزاء مما أدى إلى تلوث البيئة الرقمية وهبوط مستوى الحوار العام إلى دركات غير مسبوقة
لمواجهة هذا الانحدار السلوكي بات من الضروري العودة إلى الجذور وإحياء ثقافة الاحترام كقيمة إنسانية وأخلاقية عليا……
فالاحترام ليس مجرد خيار سلوكي بل هو الركيزة الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات المتحضرة…..
إن ثقافة الاحترام في الفضاء الرقمي تعني الإيمان بأن الاختلاف سنة كونية وأن تباين الآراء يجب أن يكون إثراءً لا عداءً……..
الاحترام يتطلب منا التمييز الدقيق بين نقد الفكرة ومهاجمة الشخص وبين حرية التعبير الملتزمة والوقوع في فخ الإساءة
والتشهير…….
وهنا يأتي دور القيم الروحية والتربوية الأصيلة التي تؤكد أن المرء مسؤول عن كلمته سواء نطق بها لسانه أو خطتها بنانه على لوحة المفاتيح………
إن الكلمة الرقمية أشد أثرًا وأطول بقاءً وهي تعكس بالضرورة عمق ثقافة صاحبها ونضجه الأخلاقي………
لذا فإن بناء “المواطنة الرقمية الصالحة” يتطلب زرع الرقابة الذاتية قبل تفعيل القوانين والتشريعات الصارمة إذ يجب أن يدرك كل مستخدم أن الشاشة التي أمامه ليست مبررًا للتخلي عن مروءته وأخلاقه وأن الاحترام الذي يطالب به الآخرين يجب أن يبدأ من نفسه أولاً………
في الختام إن إنقاذ منصات التواصل الاجتماعي من مستنقع المناكفات والمهاترات ليس مسؤولية جهة دون أخرى بل هو مشروع جماعي يبدأ من الفرد نفسه ويمر بالأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية……….
يجب أن نرفع معًا شعار “الوعي الرقمي” وأن نجعل من صفحاتنا وحساباتنا منابر للبناء ونشر المعرفة وبث الأمل والارتقاء بالحوار……….
فالأمم لا تقاس بمدى تقدمها التقني فحسب بل بمدى تمسكها بقيمها وثقافتها الأخلاقية في كل الظروف والوسائل…………….







