د/فهد الدهيس الزهراني/ الرياض
هل هذه الحياة هي ما اخترته فعلًا، أم أنها النتيجة الطبيعية لما صدقته عن نفسي، وعن قدرتي على الاختيار؟
من هنا تبدأ رحلتنا…
رحلة إلى عدة محطات ممتعة ومفيدة، لن نتوقف فيها عند الكسل بوصفه سلوكًا عابرًا، ولن ننشغل بإطلاق الأحكام على من تعثر أو تأخر أو استسلم؛ وإنما سنحاول أن نذهب إلى ما هو أعمق: إلى الأفكار والقناعات التي قد تقف خلف كثير من حالات التراجع والتواكل، وتجعل الإنسان يرى نفسه أضعف مما هو عليه، وقدراته أقل مما يملك، وفرصه أضيق مما أتاح الله له.
سنقف في كل محطة أمام فكرة، أو قناعة، أو سلوك يستحق التأمل، ونحاول أن نعيد النظر فيه من زاوية أكثر وعيًا واتزانًا، مستأنسين بما يقدمه لنا القرآن الكريم من رؤية عميقة للإنسان، وقدراته، ومسؤوليته، وسعيه، وعلاقته بالحياة.
وسنكتشف معًا أن الإنسان قد لا يملك التحكم في كل ما يحدث له، لكنه يملك ـ في كثير من الأحيان ـ كيف يتعامل معه، وما الذي يفعله بعده، وما الذي يسعى إليه قبل حدوثه.
وسنحاول أن نميز بين الإيمان بالقدر والاستسلام للعجز، وبين الرضا بما لا نملك تغييره وترك ما نملك تغييره، وبين أن تكون الظروف عائقًا مؤقتًا، وأن تتحول إلى قناعة دائمة بأن لا شيء يمكن فعله.
وسنقترب من أسئلة ربما مررنا بها جميعًا في مرحلة ما من حياتنا:
لماذا يستسلم بعض الناس قبل أن يبدأوا؟
لماذا يرى الإنسان أحيانًا العوائق ولا يرى الإمكانات؟
لماذا يبرع في صناعة الأعذار أكثر من صناعة الحلول؟
متى تتحول الراحة من حاجة مشروعة إلى منطقة إقامة؟
ومتى تصبح الفرصة التي ننتظرها فرصةً لم نُحسن رؤيتها؟
وأين تنتهي مسؤولية الظروف، وأين تبدأ مسؤولية الإنسان؟
سنبحث عن الإجابات بهدوء؛ لا لنحمّل الإنسان فوق طاقته، ولا لننكر ما في الحياة من صعوبات وتحديات، وإنما لنستعيد معه حقيقة مهمة:
أن عدم قدرتك على فعل كل شيء، لا يعني أنك لا تستطيع أن تفعل شيئًا.
قال تعالى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾.
وقال سبحانه:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾.
ومن هنا تبدأ رحلتنا…
رحلة لا نريد منها أن نقدم وصفات جاهزة، ولا أن نلقي المواعظ، وإنما أن نفتح نوافذ للتأمل، ونراجع بعض الأفكار التي اعتدناها حتى أصبحت بالنسبة إلينا حقائق لا تقبل النقاش.
قد نكتشف أن المشكلة ليست دائمًا في قلة ما نملك، وإنما في أننا لا نحسن رؤية ما نملك.
وقد نكتشف أن بعض الأبواب التي نظن أنها لم تُفتح لنا، لم تكن مغلقة أصلًا… وإنما كنا ننتظر أن تُفتح من تلقاء نفسها.
وقد نكتشف أن الطريق إلى الأفضل لا يبدأ دائمًا بتغير الظروف من حولنا، بل قد يبدأ بتغير الفكرة التي نحملها عن أنفسنا، وعن قدرتنا على التعامل مع تلك الظروف.
هذه الرحلة ليست إنكارًا للقدر، وإنما محاولة لفهم علاقتنا به بصورة أكثر وعيًا.
وليست دعوة إلى أن يظن الإنسان أنه قادر على كل شيء، وإنما إلى أن يعرف ما يستطيع فعله، ثم يفعله.
وليست دعوة إلى تجاهل الألم أو الظروف، وإنما إلى ألا نجعل الألم هوية، والظروف ذريعة دائمة، والعجز قناعة مستقرة.
إنها رحلة إلى عدة محطات؛ نرجو أن نغادر كل واحدة منها بفكرة أفضل، ونظرة أعمق، وقناعة أكثر اتزانًا، وأن نصل ـ بتوفيق الله ـ محطة بعد أخرى، إلى سؤال ربما يكون أبسط الأسئلة، وأكثرها قدرة على تغيير حياتنا:
ماذا أستطيع أن أفعل بما أملك الآن؟
ومن هذا السؤال…
تبدأ الحكاية.









