الإعلامي/عادل بن محمد البكري
هناك أشخاص لا يعيشون في هذا العالم كما يعيش بقية البشر، بل يتعاملون معه وكأنه مسرحٌ خُلق خصيصًا لهم، وكأن الآخرين مجرد ظلال تتحرك في خلفية مشهد بطولتهم المزعومة.
لا يرون في أنفسهم أشخاصًا عاديين، بل استثناءات لا تتكرر، ولا يتصورون أن يكون لأحدٍ فضلٌ يفوق فضلهم، أو مكانةٌ تتجاوز مكانتهم، أو حضورٌ يسرق الأضواء من حولهم. إنهم أولئك الذين بنوا لأنفسهم عوالم من الأوهام، ورفعوا أنفسهم فوق مقاماتها، حتى صدّقوا أن الكون يدور في فلكهم، وأن الآخرين خُلقوا ليعترفوا بعظمتهم، ويمنحوهم المكانة التي يتوهمون أنهم يستحقونها.
إنه النرجسي الذي يرى نفسه محور الكون، ويعتقد أن رأيه حقيقة لا تقبل النقاش، وأن حضوره نعمة، وغيابه خسارة، وأن الآخرين لا قيمة لهم إلا بقدر ما يمنحونه من اهتمام وتقدير. يريد من العالم أن يعترف بأهميته قبل أن يتكلم، وأن يمنحه المكانة قبل أن يثبت استحقاقه لها، وأن يتعامل معه بوصفه شخصًا استثنائيًا، حتى وإن لم يكن في واقعه سوى إنسانٍ عاديٍّ أرهقه تضخيم ذاته، وأتعبه السعي الدائم إلى إثبات تفوقٍ لا يستطيع البرهنة عليه.
ولأن الأوهام لا تستطيع الصمود طويلًا أمام الحقيقة، فإن النرجسي يعيش في حالة استنفارٍ دائم كلما شعر أن صورته المرسومة في أذهان الآخرين بدأت تهتز. يكفي أن يختلف معه أحد، أو يتجاهل رأيه، أو يرفض الخضوع لرغباته، حتى تتبدل ملامحه، ويتغير أسلوبه، ويخرج ما كان يخفيه خلف قناع الثقة والتعالي. عندها لا يرى في الاختلاف حقًا طبيعيًا، بل إهانةً شخصية، ولا يتقبل النقد بوصفه فرصة للمراجعة، بل يفسره اعتداءً على مكانته المزعومة.
وفي تلك اللحظات، قد ينفجر غضبًا، أو يلجأ إلى السخرية والتقليل من شأن الآخرين، أو يفتعل الخصومات، أو يحاول قلب الحقائق ليجعل نفسه ضحيةً لمن لم يمنحوه ما أراد. وقد يستخدم الصمت وسيلةً للعقاب، أو ينسحب متعاليًا ليُشعر من حوله بأنهم خسروا شخصًا لا يُعوَّض. كل ذلك لأنه لا يحتمل فكرةً واحدة: أن يكون إنسانًا عاديًا، لا تدور الحياة حوله، ولا تتوقف الأمور عند غيابه، ولا تتغير قيمة الآخرين لمجرد أنهم رفضوا الانحناء أمام صورته المتضخمة.
إن أخطر ما في النرجسية ليس مجرد الإعجاب بالنفس، بل ذلك الوهم الذي يجعل صاحبه يخلط بين الاحترام والخضوع، وبين المحبة والانقياد، وبين التقدير والتملّق. يريد أشخاصًا يوافقونه لا لأنهم مقتنعون، بل لأنهم يخشون غضبه؛ ويحيط نفسه بمن يعزز صورته، لا بمن يواجهه بالحقيقة؛ ويبحث عن أبطالٍ في خياله، لا عن بشرٍ لهم عقولهم ومواقفهم وكرامتهم. وحين يجد من يرفض أداء الدور الذي رسمه له، يبدأ في محاربته، لا لأنه أساء إليه بالضرورة، بل لأنه كشف له أن العالم لا يسير وفق إرادته وحدها.
لكن الوهم، مهما طال بقاؤه، لا يتحول إلى حقيقة، والتعالي لا يصنع عظمة، والاستعراض لا يمنح صاحبه قيمةً حقيقية. فقد يستطيع النرجسي أن يفرض حضوره لبعض الوقت، وأن يربك من حوله بكثرة ادعاءاته، وأن يخفي هشاشته خلف كلماتٍ واثقة ونظراتٍ متعالية، لكنه لا يستطيع أن يضمن بقاء الجميع أسرى صورته إلى الأبد. فهناك لحظة يستيقظ فيها الآخرون، ويدركون أن ما ظنوه قوةً لم يكن سوى استعراض، وأن ما حسبوه ثقةً لم يكن دائمًا إلا محاولةً لحماية صورةٍ لا تحتمل الخدش.
وحين تبدأ الأوهام في الانهيار، يجد النرجسي نفسه أمام حقيقةٍ لم يستعد لها؛ فالأشخاص الذين اعتاد أن يراهم خاضعين قد يستعيدون إرادتهم، والذين اعتاد أن يضمن ولاءهم قد يختارون الابتعاد، والذين كانوا يصمتون تجنبًا للصدام قد يقررون أخيرًا أن يقولوا الحقيقة. عندها يشعر بأن السيطرة التي اعتادها تتسرب من بين يديه، وأن صورته التي بذل جهدًا طويلًا في بنائها لم تعد قادرةً على إقناع الجميع.
وهنا تبدأ معركته الحقيقية، لا مع الآخرين وحدهم، بل مع نفسه التي اعتادت الهروب من الاعتراف بالنقص والخطأ. فبدلًا من أن يسأل نفسه لماذا ابتعد الناس، قد يتهمهم بالحسد والحقد والجهل والجحود؛ وبدلًا من مراجعة سلوكه، قد يبحث عن أخطائهم ليبرر أخطاءه؛ وبدلًا من الاعتراف بأن العلاقات لا تُبنى على التعالي، قد يزداد تمسكًا بوهم التفوق، وكأن المبالغة في تصديق الكذبة كفيلةٌ بجعلها حقيقة.
غير أن الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ كي تثبت وجودها، ولا إلى استعراض كي تفرض احترامها. فالإنسان العظيم حقًا لا يخشى أن يعترف بخطئه، ولا يشعر بأن نجاح الآخرين ينتقص من نجاحه، ولا يرى في اختلاف الآراء تهديدًا لكرامته. أما من يجعل قيمته رهينةً بإعجاب الآخرين، فإنه يظل أسيرًا لنظراتهم، يتقلب بين نشوة المدح ومرارة التجاهل، ويقضي عمره في ترميم صورةٍ هشة بدلًا من بناء شخصيةٍ متزنة.
إن كسر أوهام النرجسي لا يعني الدخول في معاركٍ لا تنتهي معه، ولا محاولة إذلاله أو الانتقام منه، بل يعني أولًا أن يتحرر الآخرون من الصورة التي فرضها عليهم، وأن يتوقفوا عن منحه سلطةً لم يكتسبها بالاحترام، وأن يدركوا أن من حقهم الاختلاف والرفض ووضع الحدود دون أن يشعروا بالذنب. فليس كل من رفع صوته قويًا، وليس كل من قلّل من شأن الآخرين عظيمًا، وليس كل من طالب بالاحترام جديرًا به.
وأحيانًا تكون أقوى مواجهةٍ مع النرجسي هي ألا تنجرف إلى لعبته، وألا تسمح لاستفزازه بأن يسلبك اتزانك، وألا تدخل في سباقٍ لإثبات قيمتك أمام شخصٍ جعل نفسه مقياسًا لقيمة الجميع. فحين تتوقف عن طلب اعترافه، وتتحرر من حاجتك إلى رضاه، وتضع حدودك بثبات، فإنك تستعيد المساحة التي حاول أن يحتلها في حياتك، وتدرك أن كرامتك ليست منحةً يمنحها لك أحد، وأن قيمتك لا تتحدد بمقدار ما يراه الآخرون فيك.
وفي النهاية
قد تنكسر أوهام النرجسي حين يتوقف الناس عن تغذيتها، وحين تنكشف المسافة بين الصورة التي رسمها لنفسه والحقيقة التي يعيشها. لكنه وحده من يستطيع أن يختار بين مواجهة نفسه والبدء في تغييرها، أو الاستمرار في الهروب خلف أقنعة العظمة والتفوق. فالمرايا لا تصنع الوجوه، والإعجاب لا يصنع الإنجازات، والتعالي لا يحوّل الوهم إلى حقيقة.
تتكسر أوهام النرجسي حين يفقد القدرة على إخضاع الآخرين لصورته، وحين يدرك أن العالم لم يعد يدور في فلكه، وأن الذين اعتادوا الانبهار به باتوا يرون ما وراء أقنعته. عندها تسقط هالة العظمة، وينكشف خواء الصورة التي طالما احتمى بها.
فأقسى انكسارات النرجسي أن يرى الوهم الذي بناه لنفسه يتهاوى أمام عينيه، وأن يكتشف متأخرًا أن عرشه لم يكن إلا خيالًا، وأن عظمته المزعومة لم تكن حقيقةً، بل حكايةً ظلّ يرويها لنفسه حتى صدّقها.








