حديث الوعي… أن تتراجع لتتقدّم

بقلم: فوزية الوثلان

قد يمضي الإنسان سنواتٍ مقتنعًا بصواب أفكاره وسلامة تصرفاته، حتى يأتي موقف يوقظ فيه سؤالًا تأخر طويلًا: هل كنت على حق، أم أنني اعتدت ما أفعل حتى لم أعد أراه خطأ؟ من هذا السؤال يبدأ حديث الوعي؛ حين نملك الصدق لنراجع أنفسنا، والشجاعة لنغيّر ما يحتاج إلى تغيير.

جميل أن يكون الإنسان واعيًا بتفكيره، مدركًا لدوافعه، مسؤولًا عن اختياراته؛ يعرف لماذا يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يتمسك بموقفه، ومتى يتراجع عنه. ويزداد هذا الوعي قيمة حين يظهر في سلوكه؛ في كلمةٍ ينتقيها، وغضبٍ يضبطه، وخطأٍ يعترف به، واعتذارٍ يعيد إلى قلبٍ مجروح شيئًا من الطمأنينة.

فالسنوات تمنحنا تجارب، لكن الاستفادة منها تحتاج إلى تأمل ومراجعة. قد يتكرر الدرس في حياتنا، وتتغير الوجوه والظروف، ونظل نواجه النتيجة نفسها لأننا لم نتوقف لنسأل عن دورنا فيها. ومن أصعب ما يواجهه الإنسان أن يكتشف أن بعض ما يشكو منه يرتبط بطريقة تفكيره أو تعامله مع الآخرين.

قد يمارس أحدنا سلوكًا مؤذيًا سنوات؛ يقاطع من يتحدث، أو يجرح باسم الصراحة، أو يفرض رأيه باسم الحرص، ثم يدافع عن ذلك بقوله: «هذه طبيعتي». لكن اعتياد السلوك لا يجعله صوابًا، ومعرفة الناس به لا تعفينا من مسؤولية تغييره. وما أجمل أن نصل إلى لحظة نقول فيها: لقد فهمت أثر ما أفعل، وحان الوقت لأتصرف بصورة أفضل.

التراجع عن الخطأ يحتاج إلى قوة داخلية، خصوصًا حين نكون قد دافعنا عنه طويلًا. وقد نخشى أن يفسر الآخرون مراجعتنا ضعفًا أو تناقضًا، فنواصل طريقًا أدركنا أنه يؤذينا ويؤذيهم. وهنا تظهر ثمرة الوعي: أن تصبح سلامة الموقف أهم عندنا من الانتصار للنفس، وأن نتحمل حرج الاعتراف بدلًا من إطالة عمر الخطأ.

وحتى إن تأخر هذا الإدراك، فإن أمام الإنسان فرصة ليصلح ما يستطيع. قد لا يعيد الاعتذار كل ما مضى، لكنه قد يفتح بابًا للفهم، وقد لا يمحو تغيير السلوك أثر الأمس، لكنه يحمي الغد من تكراره. والبداية الصادقة تحتاج إلى خطوات واضحة: أن نتوقف عن الأذى، وننصت لمن تأثر به، ونمنح التغيير وقتًا ليثبت في أفعالنا.

حديث الوعي يبدأ بين الإنسان ونفسه، ثم يسمعه الآخرون في حسن معاملته. وكل مراجعة صادقة تمنحنا فرصة لنكون أكثر إنصافًا ورحمة ونضجًا.

مهما تأخرت في اكتشاف الطريق الصحيح، فإن أول خطوة فيه تستحق أن تبدأها اليوم؛ فما بقي من عمرك يستحق وعيك، ومن حولك يستحقون أجمل ما تستطيع أن تكون.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

الغديࢪ مرآة الروح إذا صَفا

وقفت على غديرٍ، فما رأيتُ ماءً، بل عينًـا تحفظ الوجوه. فتاة ڪفلقة قمر على حجر، ثوبها زرقةُ اليمّ، وعـصابتُها دمُ الغزال علـى الثلج، قد انثنت علـى نفسهـا ڪغصنٍ أثقلهُ الندى. والعجب ليس فيها، بل فيما تحتها. الماء لا يڪذب ولا يجامل، يعطيڪ، وجهڪ ڪما هو. وهو يعلمنا أنّ لڪلِّ شيءٍ انعڪاسًا، إن زرعت وردًا انعڪس عطرًا، وإن زرعت شوڪًا انعڪس جرحًا. وللروح أيضًا انعڪاس، لا يُرى…

السعودية وطن العز والشموخ

  الكاتب :عبدالله العطيش وحب الوطن عهد ووفاء والتفاف حول القيادة ليست الأوطان مجرد أرض نعيش عليها، ولا حدودًا جغرافية ترسمها الخرائط، بل هي هوية تسكن القلوب، وتاريخ تتوارثه الأجيال، وكرامة نفخر بها، ومستقبل نصنعه بعزائمنا وإخلاصنا. والمملكة العربية السعودية ليست مجرد وطن، بل قصة مجدٍ وعطاء، وصرح شامخ بُني على التلاحم والوحدة، وترسّخ في وجدان أبنائه معنى الانتماء والولاء. إن الحس الوطني لدى الشعب السعودي…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

«بيئة الباحة» تطلق الحملة الرقابية الثالثة عشرة لتعزيز سلامة الغذاء

«بيئة الباحة» تطلق الحملة الرقابية الثالثة عشرة لتعزيز سلامة الغذاء

الغديࢪ مرآة الروح إذا صَفا

الغديࢪ مرآة الروح إذا صَفا

حديث الوعي… أن تتراجع لتتقدّم

حديث الوعي… أن تتراجع لتتقدّم

لتعزيز الوقاية والجاهزية الإسعافية.. الهلال الأحمر بالباحة يدشّن حملة التطعيم ضد الإنفلونزا الموسمية

لتعزيز الوقاية والجاهزية الإسعافية.. الهلال الأحمر بالباحة يدشّن حملة التطعيم ضد الإنفلونزا الموسمية

مدارس جازان تحقق التميز المدرسي من هيئة تقويم التعليم والتدريب لعام 2026م

مدارس جازان تحقق التميز المدرسي من هيئة تقويم التعليم والتدريب لعام 2026م

الشيخ : استمرار “طنين الأذن” وقت النوم يستدعي عدم تجاهل التشخيص 

الشيخ : استمرار “طنين الأذن” وقت النوم يستدعي عدم تجاهل التشخيص 

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode