د. حسن الأمير
في هذا الوجود الممتد الـمُشرع على الآفاق ينسج الزمن خيوطه الخفية حول أرواحنا فتتشابك التفاصيل الصغيرة لتصنع في المحصلة مشهداً كبيراً غامضاً
نمشي في ممراتها العريضة والضيقة نحمل في جعبتنا أحلاماً ولد نهارها من رحم الفجر وأمنيات صغاراً نربت عليها كل مساء لئلا توقظها خيبات الواقع
غير أننا وفي غمرة السعي والركض وراء بريق الأيام نصطدم بتلك الحقيقة الوجودية العميقة أن المعاناة ليست عابرة بل هي شريكة الدرب والوجع ليس مجرد عاطفة طارئة إنما هو ركيزة من ركائز الوعي الإنساني……..
المرء لا يتعلم من طمأنينته بقدر ما يتعلم من قلقه والوجع الذي يستوطن تفاصيل الحياة ليس شراً محضاً بل هو الإزميل الذي ينحت تضاريس الروح ويصقل زواياها المعتمة لتغدو أكثر قدرة على عكس الضياء وحين تتراكم التفاصيل تصبح الحكاية أكبر من أن تحويها الأبجدية وأثقل من أن تترجمها العبارات السطحية…….
هنا يعجز الكلام وتتحول الكلمات إلى مجرد جزيئات هواء عاجزة عن حمل عمق الفاجعة أو اتساع الفقد……
فاللغة الشائعة خلقت للأمور الشائعة أما الأوجاع الاستثنائية التي تضرب جذور الروح فإنها تتطلب حيزاً أرحب يتجاوز ضيق الحروف والوجوه……
عند هذه العتبة الفاصلة يبرز الصمت ليس بوصفه غياباً أو استسلاماً بل بوصفه لغة بحد ذاته اللغة الأسمى والأكثر بلاغة وعمقاً…….
والصمت هنا هو بلسم الروح وملاذ الذات الحائرة في مواجهة عبثية الألم…….
إنه ليس فراغاً بل هو امتلاء تام بالشعور وامتناع طوعي عن ثرثرة لا تجدي وترفع كبرياء النفس عن الشكوى لغير القادر على الفهم……..
عندما ينطق الصمت فإنه يقول كل شيء دون أن يحرك شفاهه يتحدث بالنيابة عن العيون المنكسرة وعن النبضات المتسارعة وعن الغصات التي استقرت في حناجر الصدور…
إن اتخاذ الصمت بلسماً لحكاية الوجع هو ذروة الحكمة الإنسانية إذ يدرك الكائن المغترب في تفاصيل أيامه أن الكلام قد يعري الجرح أمام من لا يملك دواءه فيزيد الألم أشكالاً من المهانة بينما الصمت يحوط الوجع بهالة من القدسية والسكينة….
هو تصالح صامت مع الأقدار ونوع من الاحتجاج الهادئ على قسوة اللحظة……
في غمرة ذلك السكون الرهيب تعيد الروح ترتيب مبعثراتها وتلملم شظاياها المتناثرة خلف جدران الصمت المنيعة لتصنع من انكسارها المعزول بداية خفية لنهوض جديد وقوة صامتة لا تقهرها عواصف الحياة الصاخبة……………………………..
#لستُ_أَدرِي،،،،،،،،
عَتمةُ الليلِ كَسَتْها أدمعٌ
ومَعاها الجَفنُ مِمَّا بي تَماشَى
لستُ أدري هل أنا فِعلاً أعاني
ام فؤادي بعدما صَبري تلاشَى
بين أحزاني وشوقي وانكساري
غُصَّةٌ تأبَى التَّلاشي وارتِعاشا
تسكنُ الأَعمـاقَ نيرانـي التي
أحرَقت قَلباً عَلَى الآهاتِ عاشا
يا عهود الشوق اني تائهٌ
عاث بي شوقٌ من الأعماق جاشا
تاهَ بي بحرٌ ينادي زورقي
آهِ من بحر بذاك الأمس طاشا
ما نسيتُ العهد إني واثقٌ
كيف أنسى نبض قلبي كيفَ حاشا
كيف أنسى طيف حلمٍ زارني
أين وردًا و زهورًا و فَراشا-
-تُ و بدرًا في سمائي مشرقٌ
باتَ يشكو مغرب الشمس..اندهاشا
دكتور حسن الأمير






