بقلم / أميرة مشاري ـ جازان
لم يكن الماضي أجمل لأنه مضى، ولم يصبح الحاضر أجمل لمجرد أنه جاء؛ فلكل زمن حكايته، ولكل جيل ذاكرته، وبين الاثنين مسافة لا تقاس بالسنوات، بل بما تغيّر في تفاصيل الإنسان.
في الأمس، كانت الحياة تمضي على مهل، وكان للانتظار طعم، وللرسائل شوق، وللزيارات فرحة لا تحتاج إلى موعد مسبق. كانت الأبواب تُفتح قبل أن تُطرق، وكانت المجالس تجمع القلوب قبل الأجساد، وكان صوت الجار جزءًا من طمأنينة المكان.
لم تكن الوفرة عنوان الحياة، لكن القناعة كانت ثراءً، ولم تكن المسافات قصيرة، لكن المحبة كانت تختصرها. كانت الأشياء قليلة، إلا أن معانيها كثيرة.
ثم جاء الحاضر مسرعًا، يحمل في يده مفاتيح العالم؛ مدن تتسع، وتقنيات تدهش، ومعرفة تصل في لحظات، وأحلام أصبحت أقرب من أي وقت مضى. تغيرت وسائل التواصل، وتبدلت أنماط العيش، وأصبح الإنسان قادرًا على رؤية العالم من نافذة صغيرة يحملها في يده.
لكن وسط هذا التقدم، ثمة سؤال يستحق التأمل: هل كسبنا سرعة الحياة، أم خسرنا شيئًا من دفئها؟
صرنا نلتقي عبر الشاشات أكثر مما نلتقي حول الموائد، ونتبادل الرسائل بكثرة، بينما نفتقد أحيانًا حديثًا صادقًا، ونوثّق اللحظات بالصور، لكننا ننسى أحيانًا أن نعيشها بكل تفاصيلها.
ليس المطلوب أن نعود إلى الماضي، ولا أن نتخلى عن الحاضر، بل أن نحمل من الأمس أصالته، ومن اليوم تطوره، ونصنع غدًا لا يفقد فيه الإنسان إنسانيته.
فالأزمنة تتغير، والملامح تتبدل، والأشياء تفقد بريقها مع مرور الأيام، لكن القيم الجميلة لا تشيخ، والذكريات الصادقة لا تغادر، والإنسان الذي يعرف جذوره يستطيع أن يمضي بعيدًا دون أن يضيع.
فالماضي ليس وطنًا نعود إليه، والحاضر ليس محطة نعبرها؛ كلاهما فصلان من حكايتنا، وما أجمل أن نكتب الفصل القادم بوعيٍ يحفظ الذاكرة، وطموحٍ يصنع المستقبل.








